وردةٌ على فوهة بركان.. تُربك الغزاة وتُسقط الأقنعة

الاحد 01 نوفمبر 2026 - الساعة 11:51 مساءً

 

 

اسمها تعز، وجبلها اسمه صبر، والصبر عنوان الثبات والتحمل والبذل والعطاء. فكيف سيكون حال الذين يسكنون هذه الأرض؟ بالتأكيد كما يقول المثل اليمني: «الله ما يخلق بلاد إلا ويخلق أهلها أشد منها»، أي إن أهلها ليسوا مثل أرضهم فحسب، بل أشد منها صلابة وقوة.

والأقروض مشتق من القرض، بما يحمله من دلالة على العطاء والبذل. وفي تعز أسماء مناطق وجبال وقرى كثيرة تحمل معاني القوة والصبر والثبات والبذل والعطاء، وكأن هذه الأرض وأسماءها وأهلها يشتركون في صفة واحدة: الصلابة التي لا تنكسر. وهذا الارتباط بين أسماء المناطق وطبيعة الأرض وأهلها يمنح تعز دلالة على القوة والثبات. ولذلك، حتى لو حشد الحوثيون كل من في المحافظات الخاضعة لسيطرتهم وسلحوهم، فلن يصلوا إلى طرف واحد من المدينة.

الحوثي اليوم لا يدري إلى أين يتجه ليحقق نصراً يخفف عليه الانتقادات داخلياً وخارجياً ويجلب به أمواجاً أخرى من المقاتلات، وما يحدث في تعز أشبه بالمقامرة؛ أما تحقيق تقدمات حقيقية فليس سوى أحلام تراوده. فمن دهاء من يدير المعارك ويخطط لها في تعز أنه عسكري فطن، يعرف طبيعة الأرض وأهلها، ويدرك أن الحرب ليست مجرد حشود وأعداد.

بدأ محور تعز ومعه اللواء 35 مدرع وجيش من المتطوعين والمقاومة وآخرون خلف الشاشات صقلتهم الأحداث والحرب؛ هؤلاء من كانوا يثبتون وينفون، ويكتبون ويختارون أجمل العبارات والجمل والكلمات، لا ينجرون وراء الشائعات بل يخططون لدحضها، ويثبتون الأيادي المرتعشة، ويعرون أصحاب الأقنعة بمختلف ألوانهم، ويكشفون الخونة. يكتبون بدون مواربة أو مجاملات على حساب تعز، تركوا الحزبية جانباً وجعلوا تعز نصب أعينهم، لا يلتفتون لمن يسقطون.

كانت تسقط المديريات وهم ثابتون، بل ويؤكدون على إفشال الحوثيين ولا زالوا ثابتين ومتأكدين أن تعز منتصرة. هم ثلة قليلة لكنهم يعملون بدون مقابل، بدون تنظيم، وبدون تخطيط، ويواجهون جيشاً جراراً من إعلاميي الحوثيين؛ حتى إن جيش الحوثي يدخل على صانع محتوى من الشرعية فيحول المحتوى إلى بلاغات، إما بالتضليل أو بحرق الصفحة لقوتهم في التواصل وكثرة عددهم، وهذا حدث معي في إنستغرام.

كشفوا من كانوا يدعون أنهم مع البركاني وبداخلهم حوثي كبير، وهم أول الداخلين، وهم من خططوا لدخول بيت البركاني وبيت العليمي. كشفهم إعلاميو الشرعية أصحاب القول الثابت من أبناء تعز الذين تركوا الحزبية جانباً: رشاد كافي، عمار أحمد، رامز المقطري، محمد مارش، فتحي بن لزرق، وكثيرون كثيرون ممن لا يتسع المجال لذكرهم، هؤلاء من يكتبون لتبقى تعز، ولن ترتجف أياديهم، يدركون أن تعز بهم أقوى.

لم ترتجف أقلامهم أمام حملات التضليل، ولم يتراجعوا أمام محاولات التشكيك، مدركين أن المعركة ليست عسكرية فقط، وأن تعز تحتاج إلى من يدافع عنها بالكلمة والموقف كما يدافع عنها المقاتلون في الجبهات.

أما على الأرض، فقد جرت المواجهات العسكرية على مراحل وفي مختلف المديريات، رغم أن خطة الحوثيين كانت تقوم على تطويق تعز انطلاقاً من الأرياف. اختار الحوثيون التوغل في أطراف المديريات الريفية، لكن الجيش والمقاومة واجهوهم بالاستنزاف، ثم الانسحاب وإعادة التموضع، لتتكرر العملية في أكثر من جبهة، بمشاركة مقاتلين من أبناء المقاومة والمتطوعين، وبأقل الخسائر الممكنة.

كان الحوثيون يصلون إلى عاصمة كل مديرية، فيضخون إليها قوات إضافية، خصوصاً أنهم كانوا قد عيّنوا مدراء لكل مديرية، وأعدوا هيكلاً إدارياً لها. ومع كل تقدم كانوا يزدادون حماسة، وتُفتح شهيتهم للسيطرة على المديريات الأخرى، لا سيما أن بعض مديريات تعز متقاربة جغرافياً، فيما تتميز أخرى بمساحاتها الواسعة وتنوعها العمراني وجمال هندستها المعمارية. وكان وصول الحوثيين إلى بعض هذه المناطق يغذي أطماعهم، ويجعلهم يتعاملون مع كل مديرية يسقطونها باعتبارها محطة لتعزيز القوات والانطلاق نحو المديرية التالية.

لكن ذلك كان يعني مزيداً من الاستنزاف، ومزيداً من انكشاف الأقنعة. فقد ظهرت وجوه أكثر قبحاً، من محافظات مختلفة، وبرز متشفون بتعز وكأن سقوطها غاية بحد ذاته، لا يعنيهم ما يترتب على ذلك من معاناة لأهلها. بعضهم ظهر بأقنعة الحياد، وبعضهم بشعارات السلام، وآخرون بصفات المشاهير والوجاهات، لكن تطورات المعركة كشفت مواقفهم، وأظهرت كيف تحولت بعض هذه الشعارات إلى غطاء لمواقف تتماهى مع مشروع الحوثيين.

ومع كل جبهة جديدة، كان الضغط يتزايد على الحوثيين، وتتبدد أفواجهم، حتى يضطر من بقي في المديرية إلى تعزيز صفوفه بالمدراء والإداريين والأمنيين، من القوميين والسياسيين والوقائيين وغيرهم. فالمعركة لا تسمح لهم باستقدام التعزيزات من المخا أو صنعاء بسهولة، في ظل وجود أبطال في مختلف المواقع، وخلف الجبال، يرصدون التحركات والتعزيزات وينقلون المعلومات، ويساندون تعز بصمت، دون البحث عن الأضواء أو الظهور الإعلامي.

وفي المقابل، ظهر من يرفع شعار السلام وحقن الدماء، لكنه يطرح تسليم تعز أو إخضاعها باعتباره مخرجاً للحفاظ عليها، وكأن المحافظة وأهلها لا يملكون حق الدفاع عن أنفسهم. وهؤلاء من أخطر الوجوه التي كشفتها الأحداث؛ لأن بعضهم يمتلك امتدادات وعلاقات ومواقع سابقة، وبعضهم احتفظ بمنصبه أو نفوذه الذي كان يشغله قبل الانقلاب، ولم يتوارَ عن المشهد، بل كشفت مواقفه حقيقة موقعه من المعركة. وبالنسبة إلى كثير من أبناء تعز الأحرار، فإن من يساند مشروع الحوثيين أو يبرر إخضاع المحافظة لا تغير حقيقته الألقاب ولا المناصب ولا الشعارات التي يرفعها.

وهكذا استُنزفت قوات الحوثيين، وسقط منهم القيادات والعناصر، بينما كان الجيش والمقاومة يتمترسون ويجهزون مواقعهم ويدربون المقاتلين ويثبتون خطوط الدفاع ويحفرون الخنادق حول المدينة. كان هناك تخطيط عسكري لا يراه كثيرون؛ فبينما ظن الحوثيون أنهم يحققون تقدماً، كانت القوات المدافعة عن تعز تهيئ نفسها لمعركة الدفاع عن المدينة، وتستدرج خصمها إلى مساحات أوسع من الاستنزاف.

لكن شهية الحوثيين التي فُتحت للسيطرة على المديريات فتحت أيضاً باباً آخر، هو باب المنتقمين من تعز، وكشفت وجوهاً ظلت غامضة، وخرجت من تحت العباءة لتظهر أكثر وضوحاً. أولئك الذين كانوا يدّعون أنهم مع العليمي ومع السعودية، بدأت مواقفهم تكشف حقيقة ما يضمرونه، وظهرت التناقضات بين ما كانوا يقولونه سابقاً وما كشفته مواقفهم خلال المعركة.

وظهر أيضاً من يرددون: «لولا كذا لما سقطت، ولولا أن فلاناً لم يدخل، ولولا كذا وكذا»، في محاولة لتبرير ما يجري وإلقاء المسؤولية على الآخرين. كما انكشفت مواقف شخصيات ووجاهات ومشايخ وعقلاء، كانوا يتبايعون ويتسابقون، وبرز ذلك بوضوح في السباق نحو منزل الشيخ سلطان البركاني.

ظهر بعضهم متشفياً، مردداً: «هيا شفتم الشرعية حقكم؟ قلنا لكم!». وكأن دخول الحوثيين منزل البركاني كان مناسبة للشماتة والانتقام، ثم اتجهت الأنظار إلى منزل العليمي، وبدأت النغمة نفسها تتكرر، لتذوب المساحات الرمادية وتتضح مواقف كثير ممن ظلوا مختبئين خلف شعارات المواقف الوطنية.

والأكثر إثارة أن بعض هذه الوجوه لم تكتفِ بالمواقف والتصريحات، بل ظهرت أسماء وأدوار في الحشد والتعبئة، وبعضها ظهر بصفة مدير أمن، وآخرون بصفة مدراء مربعات. بل إن المديريات قُسمت إلى مربعات، وعُيّن لكل مربع مسؤول، وكأن هناك هيكلاً إدارياً وأمنياً جاهزاً، ومخططاً مسبقاً لكل شيء. ومع مرور الأيام تتضح تفاصيل أكثر، حتى في ما تنشره وكالة سبأ (النسخة الحوثية).

ومن دهاء التخطيط العسكري أيضاً أن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون استنزاف الحوثيين في الأرياف جزءاً من خطة الدفاع عن المدينة. فقد كان الحوثيون يعتقدون أنهم قادرون على تطويق تعز خلال أسبوع، وكان هدفهم الأوسع إخضاع المدينة ودفع سكانها إلى الاستسلام تحت وطأة الحصار، وربما اعتقال كل من فيها بعد إحكام السيطرة عليها.

لكن الأسبوع الذي راهنوا عليه امتد، والمعارك دخلت شهرها الثاني، وتعز ما زالت تتنفس، فيما تتواصل خسائر الحوثيين واستنزافهم. لم يعد الحوثي يعرف من أين يأتي لتحقيق نصر في تعز؛ قوات مشتتة، وجبهات متعددة، واستنزاف مستمر، وخطة لم تحقق ما كان مرسوماً لها.

كل ذلك يكشف أن علم الحرب العسكرية ليس لعبة قمار، ولا مجرد حشود تُدفع إلى الجبهات. في تعز هناك عقول عسكرية تدير المعركة من واقع معرفة الأرض وطبيعة المواجهة، وهناك رجال يعرفون كيف يثبتون مواقعهم ويصنعون الفارق بإمكاناتهم وخبراتهم، دون أن ينتظروا دروساً أو توجيهات من الخارج.

تعز ليست أرضاً سهلة، ولا مدينة يمكن إخضاعها بحسابات الحشود والاندفاع. إنها محافظة صنعتها الجغرافيا والتاريخ، وصقلتها سنوات المواجهة والصبر والثبات. وهي أيضاً محافظة تكشف المواقف في لحظات الاختبار، وتفرز من يقف معها ممن يتخذ من معاناتها فرصة لتصفية حساباته أو تمرير أجنداته.

تعز.. جهنم الكبرى لكل من يظن أن إخضاعها مجرد نزهة عسكرية.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس