دمي ودمك والوطن واحد .. لنتقاسم التضحيات قبل المناصب

الخميس 15 أكتوبر 2026 - الساعة 11:35 مساءً

 

في جبهات مأرب والجوف وتعز، وبمختلف مسمياتها ومواقعها التي تدور فيها المعارك، لا وقت للكلمات المزوقة ولا مجال للمداراة. هناك، حيث يخرج الأب وابنه إلى الخندق، وحيث يدفن أبٌ ابنه ثم يعود إلى موقعه، وحيث يفقد الابن أباه أمام عينيه ثم يواصل القتال، تتكشف الحقيقة التي لا يمكن تغطيتها بالبيانات والخطابات: هناك يمنيون يدفعون من دمائهم وأعمارهم وأمن أسرهم ثمن هذه الحرب.

 

هناك، لا أحد يسأل عن المسمى الوظيفي ولا عن الرتبة الاجتماعية ولا عن حجم الرصيد البنكي. هناك سؤال واحد: من سيصمد؟ ومن سيحمي رفاقه؟ ومن سيعود إلى بيته؟ ومن سيبقى في الخندق عندما تشتد المعركة؟

 

بينما تقاتل أسر بأكملها، ويقف الأب إلى جوار ابنه، ويذهب الشاب إلى الجبهة تاركًا خلفه أمًا وأطفالًا، تستمر في المقابل منظومة من المناصب والمسميات والملحقيات والسفارات والامتيازات، وكأن اليمن يعيش ظروفًا طبيعية تسمح بكل هذا التوسع الإداري والإنفاق، بينما المقاتل في الجبهة يحسب احتياجاته الأساسية.

 

وهنا لا بد أن نسأل بصوت واضح: هل ما زالت الدولة تدير نفسها بعقلية الحرب، أم أن الحرب أصبحت عبئًا على فئة محددة، بينما تستمر فئات أخرى في إدارة مصالحها بعيدًا عن نارها؟

نحن أمام معركة وطنية مفتوحة مع جماعة مسلحة مدعومة إقليميًا ودوليًا، ومعركة بهذا الحجم تحتاج إلى دولة تعيد ترتيب أولوياتها وفق متطلبات الحرب واستعادة الدولة.

 

لم نعد بحاجة إلى تضخم المسميات والمناصب الوزارية والدبلوماسية والملحقيات بالشكل الذي نراه اليوم، بقدر حاجتنا إلى توجيه الإمكانات المتاحة لدعم الجيش والمقاومة، وتوفير السلاح والمعدات والاحتياجات الأساسية للمقاتلين والجرحى وأسر الشهداء.

 

أما السفارات، فوظيفتها الأساسية في زمن الحرب يجب أن تكون العمل السياسي والدبلوماسي الحقيقي: بناء المواقف الدولية، مواجهة خطاب الحوثيين، إعداد التقارير المهنية، وكشف الانتهاكات، وحشد الدعم السياسي والإنساني للدولة اليمنية.

 

وإذا كان هناك مسؤول أو وزير أو وكيل أو سفير في مؤسسات الدولة، فمن حق الناس أن يسألوا عن دوره ودور مؤسسته في هذه المعركة، وعن حجم إسهامه في دعم الدولة والمجتمع والجيش والمقاومة.

 

لكن المسؤولية الوطنية لا تقع على المسؤولين وحدهم، بل تمتد إلى التجار والمشايخ والشخصيات الاجتماعية والاعتبارية وكل من يملك قدرة على الإسناد.

 

وأنا هنا لا أحرض على أحد، ولا أطالب بأن يكون أبناء المسؤولين أو التجار أو المشايخ وحدهم في الجبهات، وإنما أتحدث عن مبدأ أبسط وأكبر: الوطن وطن الجميع، والمعركة معركة الجميع، والتضحية يجب أن تكون مسؤولية الجميع، كلٌّ من موقعه وبقدر قدرته.

 

ولا أحد يقول لي: ماذا عن سلطان العرادة؟ فأنا لا أتحدث عنه، ولا عن كل من وقفوا مع هذه المعركة وقدموا التضحيات. فسلطان العرادة وأهل مأرب، من شيوخ وقيادات ومسؤولين وأبناء قبائل ومواطنين، لهم حضور معروف في هذه المعركة، وقد قدم كثير منهم التضحيات، ولا يصح أن يشملهم هذا الحديث الذي أقصده بوضوح إلى من يملك القدرة ولا يقدم ما يتناسب معها.

 

لا وقت للمهادنة والمجاملة والكذب على الناس. من يملك القدرة على القتال فليكن حاضرًا، ومن لا يستطيع فليقدم ما يستطيع من مال أو موقف أو دعم أو إسناد. فالدولة التي يدفع هذا البطل روحه دفاعًا عنها ليست ملكًا له وحده حتى يُترك وحيدًا يواجه الموت، بينما يقف آخرون بعيدًا عن المعركة وكأنها لا تعنيهم.

 

نريد أن يشعر المقاتل في الخندق أن خلفه وطنًا كاملًا، لا أسرة واحدة، وأن دمه ليس أرخص من مال التاجر، ولا من مكانة الشيخ، ولا من منصب المسؤول. نريد أن يتساوى الجميع في الواجب والتضحية، لا أن يدفع أبناء فئة واحدة الثمن، بينما يكتفي الآخرون بالمشاهدة والكلام.

 

هذه ليست دعوة لزج أحد في المعركة قسرًا، وإنما دعوة إلى أن يتحمل كل يمني قادر مسؤوليته تجاه وطنه، وأن تكون استعادة الدولة قضية وطنية يشترك فيها الجميع، كلٌّ بما يستطيع، حتى لا يبقى المقاتل وحده في مواجهة الموت.

 

نحن لا نتحدث عن خيالات ولا عن قصص من خارج الميدان، نحن نتحدث عن واقع رأيناه داخل الجبهات، وعن أسر دفعت أثمانًا باهظة في هذه الحرب.

 

نعم، هناك عسكريون أخذوا أبناءهم، فلذات أكبادهم، إلى الجبهات. هناك آباء وأبناء قاتلوا في الخندق نفسه، وأمهات كنّ في الميدان يساندن ويشجعن ويدعين لأبنائهن.

 

هناك من استشهد ابنه أمام أبيه، فدفنه والده ثم عاد إلى المعركة. وهناك أب استشهد أمام ابنه الذي لم يتجاوز العشرين عامًا، فواصل الابن القتال حتى لحق بأبيه شهيدًا، وبقيت الأم وأطفال صغار بلا معيل.

 

هذه ليست روايات نسمعها من بعيد، بل قصص رأيناها وسمعنا أصحابها في الجبهات.

 

وأحد الجنود قال لي إنه رأى والده أمام عينيه أثناء المعركة، خلال التقدم في جبهة رغوان، وإن والده أُسر بعد إصابته، بينما واصل هو القتال حتى أُصيب هو الآخر، ولم يستفق إلا بعد شهرين. وعندما عاد إلى وعيه وجد أن أمه وإخوته الصغار يواجهون ظروفًا صعبة، لكنه قال إن أمه كانت الأقوى وما تزال صامدة، وإن والده سيعود، وإنهم خرجوا من أجل الوطن ولن يتراجعوا حتى استعادة الدولة.

هذه هي التضحيات التي نتحدث عنها.

 

ولهذا أقول: لا بد أن تشمل المعركة الجميع، وأن يتساوى الجميع في تحمل مسؤوليتها. لا يمكن أن تكون الحرب واجبًا على فئة محددة من أبناء اليمن، بينما تبقى فئات أخرى بعيدة عن تبعاتها.

 

اليوم، الجبهات تضم يمنيين من مختلف المحافظات، شمالًا وجنوبًا، لكن المشهد الذي نراه في خطوط النار أن كثيرًا من أبناء البسطاء، ومن يؤمنون بقضية وطنهم، يتنافسون على الوصول إلى الجبهات وحمل السلاح والدفاع عن البلاد. وفي المقابل، يحق لنا أن نسأل: أين أبناء بعض شاغلي المناصب الحكومية والوزارية والوكالات والمحافظات من هذه التضحيات؟

نعرف أن أبناء مسؤولين حصل بعضهم على منح دراسية وفرص تعليمية في دول أوروبية وتركيا ودول الخليج، في مجالات مختلفة، عسكرية وأمنية ونفطية ومدنية، بينما أبناء آخرين من هذا الوطن اختاروا الجبهة طريقًا لهم، وقدموا أعمارهم ودماءهم دفاعًا عن الدولة.

 

وهنا لا أتحدث عن المنح باعتبارها خطأ في ذاتها، ولا عن أبناء المسؤولين باعتبارهم مسؤولين عن مواقع آبائهم، وإنما أتحدث عن سؤال العدالة في توزيع الفرص والتضحيات، وعن شعور المقاتل البسيط بأن الدولة التي يدافع عنها تنظر إليه كما تنظر إلى أبناء أصحاب النفوذ.

 

نعرف أسرًا قدمت أبناءها واحدًا تلو الآخر، ونعرف في المقابل من لم يكن له حضور واضح في هذه المعركة. وهنا تكمن المشكلة: لا نريد أن يدفع أبناء الفقراء وحدهم ثمن الحرب، بينما تُصرف أموال كبيرة على المسؤولين والمناصب والمسميات.

 

نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لطريقة إدارة الدولة في زمن الحرب. لا أتحدث عن إلغاء الدولة ومؤسساتها، وإنما عن إعادة ترتيب الأولويات، وتقليص العبء الإداري غير الضروري، وتوجيه الموارد نحو الجبهات والجرحى وأسر الشهداء والنازحين والخدمات الأساسية، مع الحفاظ على المؤسسات التي لا يمكن للدولة الاستغناء عنها.

 

والسفارات أيضًا يجب أن تؤدي وظيفتها الحقيقية: عمل دبلوماسي مهني، وتقارير، وتواصل سياسي، وحشد للمواقف الدولية، وكشف الانتهاكات، والدفاع عن قضية الدولة اليمنية، بعيدًا عن المحسوبية والوظائف العائلية.

أما أن نوسع المناصب والمسميات والملحقيات، بينما المقاتل في الجبهة يحتاج إلى أبسط احتياجاته، فهذا يحتاج إلى مراجعة.

 

لقد مرت سنوات الصراع الطويلة لتسقط كل الأقنعة والمنطقة الرمادية. لم يعد هناك عذر لمن يمسك العصا من المنتصف، ولا مجاملة لشخصيات ومسميات لم تقدم للوطن موقفًا أو إسنادًا يتناسب مع ما تملكه من قدرة ومسؤولية.

 

لا نريد ظلم أحد، ولا نريد تحويل المسؤولية الوطنية إلى معيار انتقامي ضد أبناء المسؤولين، لكننا نريد عدالة في تحمل الأعباء، وشفافية في توزيع الموارد، ومساءلة للمسؤول عن أدائه، سواء كان وزيرًا أو وكيلًا أو سفيرًا أو مسؤولًا عسكريًا أو مدنيًا، وكذلك لكل تاجر أو شيخ أو شخصية قادرة على الإسناد.

 

تعبنا من العبث، ونريد حسمًا، لكن الحسم لا يأتي بالمحاصصة والمجاملات، بل بدولة قوية، وقرار واضح، ومؤسسات تعمل، ودبلوماسية تتحرك، وإدارة توقف المحسوبيات، وجبهة عسكرية وسياسية وإعلامية متماسكة.

 

وإلى الرئيس رشاد العليمي: الوطن يحتاج إلى مراجعة وتصحيح وترتيب للأولويات. يحتاج إلى رجال يعملون، ومقاتلين يُدعَمون، ومؤسسات تؤدي واجبها، ودبلوماسية تتحرك، وإدارة توقف المحسوبيات، لا إلى مزيد من المسميات والمجاملات.

 

هذه معركة وطن، ومن العدل أن يتحمل مسؤوليتها الجميع، كلٌّ من موقعه وبقدر قدرته، وأن يشعر المقاتل في الخندق أن الدولة التي يدافع عنها عادلة معه وليست بعيدة عنه.

 

إلى القيادة السياسية والرئيس العليمي: هذا الشعب لم يعد يملك ما يخسره، والوطن بحاجة إلى مقاتلين وقادة يتقدمون الصفوف، لا إلى محاصصة ومجاملات على حساب دماء الأبطال. امسحوا دمعة الأمهات في المخيمات والجبهات بإرادة حقيقية تُنهي العبث وتضع حدًا لهذه الفوارق، فحين يشعر الجميع بأن الواجب واحد، وأن التضحية لا تقع على فئة دون أخرى، يصبح الوطن أقرب إلى استعادة دولته ومؤسساته.

 

لابد أن تشمل المعركة الجميع، وأن يتساوى الجميع في تحمل أعبائها.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس