بين هيكل والقرضاوي

الاحد 05 يوليو 2026 - الساعة 07:24 مساءً

 

في سجال قديم بين محمد حسنين هيكل ويوسف القرضاوي، كانت رؤية هيكل أن التيارات الإسلامية تصلح للتعبئة والقتال، لكنها تصنع الكوارث إذا وصلت إلى الحكم، لفقدانها المخيال السياسي وأبجديات فلسفة الحكم.

 

لم يكن هيكل يريد مساجلة مع الإخوان أو تيارات الإسلام السياسي، لكن يوسف القرضاوي، الذي كان يعتبر نفسه هرم الفكر الإسلامي وخليفة البناء وقطبًا معًا، رد على هيكل في كتابه “الإخوان المسلمون سبعون عامًا من الدعوة والتربية”، دون أن يقدم شيئًا متماسكًا، رغم أنه وصف ما يكتبه بنظرية سياسية تدحض حكم هيكل.

 

جاء الكتاب إنشائيًا وقدم دليلًا إضافيًا في فقدان رموز الإسلام السياسي القدرة على الكتابة العميقة في السياسة، حيث تتحول كتاباتهم إلى ما يشبه التعبئة وخطب الجمعة أكثر منها خطوطًا عريضة وملامح سياسية يمكن الإمساك بها، ناهيك عن قابليتها للتطبيق والتجربة، فقد انصرف القرضاوي إلى تمجيد الإسلاميين والطعن في خصومهم.

 

اليوم يبدو أن سؤال هيكل ما يزال أكثر حضورًا، فمعظم تيارات الإسلام السياسي بقيت أسيرة شعارات القرن العشرين ولم تنتج تصورًا متكاملًا للدولة وإدارة السلطة، كما أن فكرة الاستعلاء عند سيد قطب جعلت المراجعة الفكرية تبدو اعترافًا بالهزيمة، فتحولت الأدبيات إلى مسلمات لا تقبل النقد.

 

لقد توسعت هذه التيارات بقدرتها على الحشد وتعبئة الخصوم لا بامتلاك مشروع سياسي قابل للحكم، لذلك لم يكن تطور خطابها نابعا من مراجعات فكرية عميقة، بل كثيرًا ما ارتبط بتغير موازين القوى أو بإرادة دول راعية تحدد سقف الخطاب واتجاهه.

 

لكن إذا افترضنا أن معظم تجارب الإسلام السياسي السني قد انتهت إلى الفشل وتم دفنها، فكيف ينبغي قراءة تجربة أحمد الشرع في سوريا؟ هل هي امتداد طبيعي لتلك التجارب أم أنها ولدت في سياق دولي مختلف تشكل داخل بيئة تقودها حسابات أمريكية واكتست بثوب إسلامي أكثر من كونها امتدادًا للفكر الإسلامي التقليدي؟

 

وفي المقابل، ماذا عن إيران، أقدم وأرسخ نماذج الإسلام السياسي الشيعي؟ هل تمضي تجربتها بعد كل ما خلفته من استنزاف داخلي وصراعات إقليمية، أم أنها ستواصل السير في المسار نفسه حتى تستنزف الدولة والمجتمع معًا؟ هذه الأسئلة أكثر من أي شعارات هي التي ستحدد ما تبقى من مستقبل الإسلام السياسي في القرن الحادي والعشرين، الذي، باعتقادي، لن يصل ما تبقى منه إلى أكثر من عقد من الزمن ليكمل دورة المائة عام، حيث بدأ مع تأسيس الإخوان في مصر في ثلاثينيات القرن الماضي، وسينتهي ربما في ثلاثينيات القرن الحالي، ويُشيَّع إلى مثواه الأخير.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس