الشارع العربي هو السلاح الأقوى
الاثنين 16 مارس 2026 - الساعة 10:27 مساءً
يُطرح في النقاشات السياسية والمقالات خبر ما يسمّى الهدف الثاني لإسرائيل بكثير من القلق والتكهّن تلميحًا وتصريحًا حينًا آخر، لكن الإشكال أن هذه القراءات تبدأ من النهاية لا من الشروط التي تجعل هذا الهدف ممكنًا أو مستحيلًا. هل سوف يوقع هذا؟ بل لماذا لم يحدث طوال عقود رغم اختلال ميزان القوة منذ البداية؟
فارق القوة بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران أو أذرعها من جهة أخرى لم يكن يومًا محل شك.
هذا الفارق كان قائمًا منذ تشكّل الدولة الإيرانية الأيديولوجية بعد ثورة 1979 بقيادة الخميني، ومع ذلك لم تتجه إسرائيل وأمريكا إلى محاولة كسر المشروع الإيراني بصورة مباشرة وحاسمة إلا بعد عقود.
السبب لا يتعلق بالقدرة العسكرية بقدر ما يتعلق بالبيئة السياسية والاجتماعية المحيطة بالصراع.
التجربة البارزة هنا هي حرب لبنان 2006. في ذلك الوقت لم يكن حزب الله يمتلك تفوقًا عسكريًا على إسرائيل، بل كان ميزان القوى الدولي كله يميل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، ومع ذلك لم يكن من السهل على إسرائيل الذهاب إلى تدمير كامل للحزب. السبب لم يكن عسكريًا بقدر ما كان سياسيًا وشعبيًا.
في تلك اللحظة كان الشارع العربي يعمل كعامل ردع غير رسمي للعدو الإسرائيلي، وأي محاولة لسحق الحزب بالكامل كانت ستعد عربيًا على أنها هزيمة جماعية لا مجرد ضربة لتنظيم لبناني.
العامل الشعبي هذا، وليس السلاح النووي أو الصاروخ أو الميليشيا، كان أحد أهم عناصر الحماية غير المباشرة لردع وتوازن القوى في المنطقة، وهو العامل نفسه الذي كان يشكّل في الخمسينيات والستينيات مصدر قوة حقيقي لخطاب الزعيم جمال عبد الناصر، حين كان الشارع العربي يتحول إلى ضغط سياسي إقليمي يصعب تجاهله.
لكن ما حدث لاحقًا أن إيران وأذرعها تعاملوا مع هذا الشارع بوصفه رصيدًا مضمونًا لا عاملًا يحتاج إلى إدارة سياسية دقيقة. توسّع النفوذ الإيراني في الإقليم لم يُقرأ عربيًا دائمًا باعتباره دعمًا لقضية مركزية، بل يُقرأ باعتباره مشروع نفوذ يتجاوز حدود التوازنات الداخلية للدول العربية.
عند هذه النقطة بدأ العامل الذي كان يشكّل الحماية يتحول إلى عامل محايد في أقل درجاته.
إسرائيل والولايات المتحدة لم تتحركا لأن ميزان القوة تغيّر فجأة، بل إن البيئة التي كانت تقيد استخدام هذه القوة تغيّرت. حين يصبح الشارع العربي غير مستعد للدفاع عن طرف ما أو غير مقتنع بخطابه، فإن هامش الحركة أمام القوى الدولية يتوسع بصورة كبيرة.
ولهذا نرى أن الضربات التي طالت أذرع إيران في السنوات الأخيرة لم تُقابل بردة فعل عربية واسعة، ليس لأن الشارع العربي فقد حساسيته تجاه الصراع مع إسرائيل، بل لأن العلاقة بين هذا الشارع وبين المشروع الإيراني تعرضت لتآكل طويل بفضل عنصريته إيران وتنمّرها على الأمة العربية.
من هنا تبدو القراءة التي تصف ما يحدث بأنه مجرد هدف عربي ثانٍ قراءة سطحية؛ فهي تتعامل مع الصراع وكأنه مجرد قرار عسكري لدى إسرائيل أو أمريكا، بينما الحقيقة أن القرارات العسكرية الكبرى في الإقليم لا تُتخذ بمعزل عن البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة بها.
التحولات الكبيرة في الشرق الأوسط غالبًا لا تبدأ في غرف العمليات العسكرية، بل في المزاج العام للشارع. حين يتغير هذا المزاج تتغير معه حدود الممكن والمستحيل في السياسة والحرب معًا.
ولهذا فإن أي قراءة واقعية لما يجري في الإقليم اليوم يجب أن تبدأ من هذه النقطة: الشارع العربي ليس مجرد متفرج على الصراع، بل هو في كثير من الأحيان أحد العوامل التي تحدد سقفه وحدوده قبل الخرائط العسكرية وقبل الحسابات الاستراتيجية.













