قراءة نقدية تحليلية شاملة للوضع الراهن في الجنوب

الاثنين 23 فبراير 2026 - الساعة 01:13 صباحاً

 

سألني أحد الأصدقاء عن موقفي مما جرى في عدن، وتحديدًا في محيط قصر معاشيق، من مواجهات بين متظاهرين من أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات تابعة لسلطة مجلس القيادة الرئاسي. وكانت إجابتي، التي أضعها اليوم في سياق تحليلي أوسع، أن ما حدث ليس مجرد صدام ميداني، بل نتيجة طبيعية لتراكم أزمات بنيوية عميقة تعصف بالجنوب واليمن عمومًا.

 

أبدأ بالتعبير عن خالص التعازي لأسر الشهداء، والتضامن مع الجرحى، والدعوة إلى الإفراج عن جميع المعتقلين على ذمة المظاهرات، وعلاج المصابين وجبر الضرر. فالدم اليمني، أيًّا كان موقعه، لا يجب أن يكون أداة في صراع سياسي أو وقودًا لتثبيت النفوذ.

 

أولًا: البعد النفسي والاجتماعي

نفسيًا، يعيش الشارع الجنوبي حالة إنهاك جمعي ناتجة عن سنوات من الحرب، ووعود مؤجلة، ومعاناة يومية في المعيشة والخدمات. هذا الإنهاك يولّد غضبًا سريع الاشتعال، ويجعل الشارع قابلًا للانفعال والتعبئة، حيث تتحول الشعارات إلى بديل عن التفكير العقلاني.

 

اجتماعيًا، كشفت الأحداث عن تصدع مقلق في النسيج الاجتماعي، غذّاه خطاب مناطقي وعنصري يدعو إلى طرد المواطنين الشماليين من المحافظات الجنوبية. هذا الخطاب لا يخدم القضية الجنوبية، بل يضرب أساسها الأخلاقي والوطني، ويفقدها حاضنتها الاجتماعية في الشمال، وهي حاضنة ما زالت تؤمن بحق الجنوب في تقرير مصيره.

 

ثانيًا: البعد الثقافي

ثقافيًا، نحن أمام أزمة وعي وخطاب؛ إذ جرى استبدال الثقافة السياسية بثقافة الهتاف، والبرنامج السياسي بالرمز الغاضب. القضية الجنوبية، بوصفها قضية سياسية وحقوقية، تُختزل في شعارات إقصائية تفقدها عمقها وعدالتها، وتحوّلها من مشروع تحرر إلى حالة استقطاب.

 

ثالثًا: البعد السياسي

سياسيًا، تعكس أحداث المعاشيق:

فشل مجلس القيادة الرئاسي في إدارة التوازنات داخل عدن والمحافظات الجنوبية.

 

غياب شراكة سياسية حقيقية مع المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي لا يمكن تجاوزه أو التقليل من حجمه.

الاكتفاء بإدارة الأزمات بدل معالجتها جذريًا عبر الحوار.

 

إن الخلافات السياسية لا تُحل بالقوة، ولا بتجاهل موازين الواقع، بل بحوار جاد تحت سقف الدستور والقوانين النافذة، والبناء على ما تحقق من اعتراف بعدالة القضية الجنوبية وحقها في تقرير المصير.

 

رابعًا: البعد الاقتصادي واللوجستي

اقتصاديًا، يشكّل الفقر وارتفاع الأسعار وتأخر المرتبات الوقود الحقيقي للاحتجاجات. أي تحسن خدمي في الكهرباء أو الصحة أو المرتبات يظل هشًا ما لم يُدعّم بسياسات اقتصادية مستدامة وإدارة لوجستية رشيدة. المواطن لا يثور حبًا في الفوضى، بل لأنه لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة العيش.

 

خامسًا: البعد العسكري والأمني

عسكريًا وأمنيًا، فإن عسكرة الاحتجاجات والزج بالقوات في مواجهة الغضب الشعبي يمثل خطأً جسيمًا. اقتراب المظاهرات من مواقع سيادية يعرّض المتظاهرين للخطر ويهدد الأمن العام، ويكشف ضعف إدارة الحشود وغياب أدوات الاحتواء السلمي. الدولة التي تواجه مواطنيها بالسلاح تعلن عجز السياسة وفشل الإدارة.

 

سادسًا: البعد الإعلامي

إعلاميًا، لعب الخطاب التحريضي وغير المسؤول دورًا خطيرًا في تأجيج الشارع، مقابل غياب الإعلام المهني القادر على التحليل والتنوير. حين يتحول الإعلام إلى أداة تعبئة لا وعي، يصبح شريكًا في الأزمة لا ناقلًا للحقيقة.

 

سابعًا: البعد الدبلوماسي

دبلوماسيًا، تُراقَب عدن وما يجري فيها إقليميًا ودوليًا. أي انفلات أمني أو خطاب عنصري يضعف صورة السلطة والقضية الجنوبية معًا، ويقوّض التعاطف الدولي مع مطالب مشروعة كان يمكن كسبها بلغة عقلانية ومسؤولة.

 

ثامنًا: البعد القانوني والدستوري

قانونيًا ودستوريًا، التظاهر السلمي حق مكفول، لكن المساس بالمواقع السيادية أو استخدام القوة المفرطة انتهاك صريح للقانون. غياب المساءلة ينسف مفهوم الدولة، ويُكرّس الإفلات من العقاب، ويحوّل السلطة من حَكَم إلى طرف في الصراع.

 

الخلاصة

ما جرى في المعاشيق ليس حدثًا عابرًا، بل إنذار شامل. إن لم تُعالَج جذور الأزمة نفسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، فإن تكرار المشهد قادم لا محالة وبكلفة أعلى.

 

الحل لا يكمن في القمع ولا في الفوضى، بل في:

ترشيد الخطاب السياسي.

تحييد المواقع السيادية.

حوار جاد بين المجلس الانتقالي الجنوبي ومجلس القيادة الرئاسي.

دولة تحترم مواطنيها، وتحتكم للقانون، وتغلب لغة العقل على الانفعال.

وما عدا ذلك… ليس حلًا، بل تأجيلًا لأزمة أكبر وانفجار أشد.

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس