أين الخلل ؟ اليمن بعد عشر سنوات حرب "قراءة نفسية"
الاحد 22 فبراير 2026 - الساعة 11:32 مساءً
بعد عقدٍ كامل من الحرب تشكّل في اليمن ما يمكن وصفه بـ المناخ النفسي للأزمة الدائمة، فالحروب الطويلة لا تبقى مجرد صراع عسكري بل تتحول مع الوقت إلى بيئة يتكيّف معها الفاعلون بدل البحث الجاد عن إنهائها، يبدأ البعض في إدارتها والعيش داخلها، وأحيانًا استثمارها سياسيًا واقتصاديًا، ومع مرور السنوات يصاب المجتمع بإرهاق جماعي يخفض سقف التوقعات؛ فيصبح طموح الناس ليس الخروج من المأزق، بل مجرد تخفيف حدته..
لكن الخلل لا يقف عند حدود الظروف؛ فهناك خلل بنيوي واضح في بنية السلطة والسياسة، زادته شخصيات ضعيفة وتجار سياسة لا يملكون مشروع دولة بقدر ما يتقنون التكيّف مع الفوضى..
ضمن هذا السياق تبدو أزمة الشرعية في اليمن أقرب إلى أزمة إدراك منها إلى مسألة قانونية فالاعتراف الدولي ما يزال قائمًا، لكن الصورة الذهنية للسلطة في الداخل تآكلت بفعل الانقسام والبعد عن الناس والعجز عن تغيير الواقع في علم النفس السياسي تسقط السلطة فعليًا عندما تفقد حضورها في الوعي الجمعي، حتى لو بقيت قائمة في النصوص والقرارات والبروتوكولات..
أما مجلس القيادة الرئاسي فيمكن قراءته بوصفه نموذجًا لما يُعرف بظاهرة التفكير الجماعي شكليا لكنه يدار خارجيا كسكرتارية..
اما الأحزاب والنخب المتشاركة في السلطة فهي تتجنب المعارضة والصدام حفاظًا على الحد الأدنى من المكاسب او التوافق في مثل هذه الحالات تُنتج المؤسسات قرارات هشه آمنة، ضعيفة التأثير، فتستمر حالة الجمود..
الحكومات المتعاقبة بدورها عملت داخل ما يشبه الحلقة النفسية للعجز المؤسسي..
يمكن إيجاز ماسبق بأن سنوات الحرب، وتعدد مراكز القوة، والاعتماد الكبير على الخارج، كلها عوامل تزرع شعورًا ضمنيًا بأن القدرة على الفعل محدودة ومع الزمن يتحول هذا الشعور إلى نمط حكم وإدارة للأزمة بدل حلها، وتبرير للفشل بدل تجاوزه وهنا يتجلى الخلل البنيوي أكثر، حين تصبح الدولة إطارًا هشًا تتحرك داخله مصالح متفرقة، لا مشروعًا وطنيًا جامعًا وفاعلا..
في المقابل، استطاعت جماعة الحوثي بناء قدر من التماسك لأنها تعمل ضمن منظومة تعبئة نفسية واضحة هوية قاتلة لكنها صلبة، وقيادة مركزية وفي الحروب الطويلة غالبًا ما تتفوق الجماعات التي تمتلك رواية موحدة على خصوم منقسمين، حتى لو كانت مواردهم أكبر..
أما في الجنوب، فتتحرك السياسة عبر ضغط الشارع والقضية الجنوبية والذاكرة الجمعية، هناك هوية تشعر بأن تاريخها تعرض للإنكار أو الإقصاء، ولذلك تصبح أكثر حساسية تجاه فكرة الشراكة، وأكثر ميلًا للبحث عن كيان مستقل يعيد الاعتبار الرمزي قبل السياسي ولهذا فالقضية الجنوبية ليست مجرد ملف إداري أو تفاوضي، بل مسألة اعتراف وعدالة في الوعي الجمعي..
النتيجة الأوسع لكل ذلك تتمظهر في المجتمع نفسه هناك جيل كامل نشأ في ظل الحرب يتعامل مع السياسة بقدر كبير من الشك والسخرية وحين تتآكل الثقة طويلًا يتراجع الإيمان بفكرة الدولة ذاتها، ويتحول همّ الأفراد من المشاركة في المستقبل العام إلى البحث عن النجاة الشخصية..
السؤال الحقيقي الذي يبحث عن إجابة
أين الخلل؟
الخلل يتحوصل في الآتي
1/بنية سياسية مختلة،
2/ نخبٍ ضعيفة أو مستفيدة من استمرار الأزمة ،
3/ غياب مشروع وطني قادر على استعادة الثقة،،
فبعد عشر سنوات من الحرب تبدو المعركة الكبرى في اليمن ليست على الأرض فقط، بل في الوعي والمشروع والشخوص
التي يتم تدويرها كنفايات دون جدوى ..
#
.
.













