تعز جرح الأزمنة..

الخميس 29 أكتوبر 2026 - الساعة 10:00 مساءً

 

هناك مدن تولد ولا تموت تسهر ولا تنام وتصهرها الحروب لكنها تخرج من أتونها أكثر التصاقا بالحياة وتعز واحدة من هذه المدن مدينة لا يمكن قراءة تاريخها من دون قراءة جراحها ولا فهم جغرافيتها من دون فهم الإنسان الذي صاغته وصاغها،،،

 

تاريخها مع الإمامة جرح غائر وما تلا ذلك لم يكن دائما على مايرام وكأن هذه المدينة كتب عليها أن تدفع ثمن يقظتها وأن تخوض معاركها حتى عندما يظن الآخرون أن الحروب قد وضعت أوزارها،،

 

من قلعة القاهرة في قلب المدينة تبدو تعز كأنها تستند إلى جبل صبر ذلك الجبل الذي يطوقها بحضوره المهيب ويمنحها شيئا من الدفء والأمان من هناك تتسع الرؤية إلى مدينة لا تحاصرها الجبال بقدر ما تمنحها أفقا مدينة تبدو في عنادها كأنها" إسبرطة"  حين تمد نظرها إلى المخا وباب المندب وذو باب حيث تتشابك مصائر المدن مع طرق التجارة وممرات القوة،،

 

ولعل نجيب محفوظ حين مر بتعز وكتب عنها في تحت المظلة رأى شيئا من سحرها الإنساني لكنه ترك للآخرين أن يكتشفوا وجهها الآخر مدينة لم يصنعها التاريخ وحده بل صنعت هي أيضا جزءا من تاريخ اليمن ومخياله الوطني،،

 

تعز اسم لكنه في الحقيقة فعل وهو يليق بمدينة لا تعرف الحياد أمام مصيرها وكأن في اسمها صدى فعل يتجاوز التسمية إلى المعنى الخاص بالإله فهي تعز من تشاء وتذل من تشاء وتمنح من حولها شيئا من العزة حتى وهي مثقلة بالجراح،،

 

ولعل المفارقة أن المدينة الأكثر حديثا عن الجمهورية والوطن هي في الوقت نفسه من أكثر المدن صمتا عن وجعها الخاص تمنح اليمن لغتها الوطنية وتدفع من أمنها وحياتها ثمنا باهظا ثم تمضي مثقلة بجراحها كأنها لا تريد أن تضيف إلى أنين البلاد أنينا جديدا،،،

 

ليست مدينة أثرية وإن كان التاريخ يسكن حجارتها وأزقتها وقلعتها إنها مدينة تختبر فلسفة الحياة في أقسى شروطها وتجمع بين الصمود وتوق الحرية تبحث كأنها تعرف بالفطرة عن توأمها الذي طال افتراقه الحرية والسلام وهي في ذلك تستعيد المعنى الذي لمح إليه محمود درويش أن الحياة لا تكتمل ما لم يتصالح الإنسان مع حقه في أن يكون حرا وآمنا،،

 

من ساحلها القريب تتنفس الجغرافيا ومن جبلها المهيب تستمد المدينة شيئا من صلابتها وبعينيها المعلقتين بالأفق تتنصت على المستقبل بإصرار لا تفسره الظروف بقدر ما يفسره طبع المكان وأهله،،

 

أبناؤها كتبوا تاريخا من النضال كما كتبوا تاريخا من الفن والثقافة وفي الحالتين رسموا خطا أحمر في وجه كل مشروع يريد أن يحول الأرض إلى غنيمة أو الهوية إلى امتياز أو السلطة إلى حق موروث،،

 

 إنها أرض ومحافظة لا تستقر إلا بالتعايش ولا تدار طويلا بالقهر فمن يظن أن السيطرة على شوارعها وريفها وجبالها وساحلها تعني امتلاكها لم يفهم بعد الفرق بين احتلال المكان وكسب أهله،،،

 

تتجاوز تعز حدود المدينة إلى معنى المشروع الوطني من خلال ثقلها  السياسي الراكز،،

 ورمزيتها الجاذبة وسعيها لهوية يمنية تتسع لأبنائها جميعا ،،

كل شبر فيها يهمس في وجه الغزاة أنا هنا قبل الجميع ولست ملكا لأحد أنا لليمنيين جميعا ،،،

تلك هي فسيفساء تعز حيث تتعدد فيها الأصوات لكن هويتها الوطنية تظل أوسع من أن تختزلها طائفة أو تحتكرها سلالة أو تطوقها أيديولوجيا،،

 

منذ أن عرفت  تعز سابقا باسم "عدينة"  كانت تمضي نحو قدرها الخاص كأنها ولدت من جرح الأزمنة وجرح الأرض وجرح الإنسان الذي يعبر التاريخ ولا يبقى منه إلا أثر عصي على المحو والنسيان

قد تحاصر تعز وقد تستنزف وقد يطول انتظارها لكن المدينة التي صاغت هويتها من مقاومة الإخضاع لا تقرأ من واقع حصارها وحده بل من قدرتها على البقاء بوصفها فكرة وطنية عصية على المصادرة،،

 

لكن خطورة تعز لا تأتي من رمزيتها وحدها إنها كامنة في موقعها أيضا فقد وقفت تاريخيا عند مفترق طرق يصل الشمال بالجنوب والمرتفعات بالساحل ومن يسيطر عليها يستطيع التأثير في حركة اليمن ومن يعطلها يربك أكثر من مدينة،،

 

كانت تعز بهذا المعنى أشبه بصمام يضبط إيقاع الجغرافيا اليمنية واليوم وهي محاصرة لا تزال تحاول أداء وظيفتها التاريخية تقاوم عزلها عن محيطها وتقاوم تحويل الحصار إلى قدر وتصر على أن تظل جزءا من وطن للجميع،،،

 

وختاما فقد اخترت عنوان جرح الأزمنة كونه أقرب صورة تاريخية تعبر عن تعز، ذلك أن جراحها لم تندمل واذا ما حاولت أن تفعل او تنسى او تتناسى،  تنكأ جراحها من جديد والمدن العظيمة لها ذاكرة الأرض التي لا تتواطأ مع النسيان وكل الحروب التي  تعبرها تترك ندبة في التاريخ، وشهادة على صلابة الإنسان والمكان ،،

والحديث له بقية،،،

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس