"تعز من الجنوب وليست فيه وفي الشمال وليست منه"
الاثنين 19 أكتوبر 2026 - الساعة 11:09 مساءً
تعز من الجنوب بمعنى الإمتداد الجغرافي والإقتصادي والإجتماعي ، لكنها ليست فيه إدارياً ولا سياسياً ، وهي في الشمال حدوداً وتأثيراً ، لكنها ليست منه ثقافياً ولا فكرياً ولا سلوكياً .
تعز هي العمود الفقري الذي يستقيم عليه الجسد اليمني والمفصل القلق بين نموذجين متناقضين ، شمالاً تشكلت تاريخياً مناهضة لفكرة "الحق الإلهي" ومركزية الإمام والعُكفي ، جنوباً تشكل_ولو نسبياً_حاضنة الدولة الحديثة والمؤسسة ، والعلاقة بالعالم .
لهذا ظلت تعز منطقة تماس لامنطقة إنتماء ، فسُخرت لتكون ساحة صراع بالوكالة لكل الفرقاء .
عُوقبت تعز منذ خروج العثمانيين في 1918 ، بصفقة مابعد الحرب العالمية الأولى ، وحتى قيام الجمهورية ، فكانت تعز الخاسر الاكبر ، ومازالت نتائج الحرب العالمية الأولى تلقي بظلالها على تعز إلى اليوم <مايحدث في سواحلها اليوم يقول ذلك>
عُوقبت لأنها في طبيعتها أرض معرفة لاخضوع ، موطن تجارة وانفتاح لا انغلاق ، لأنها فكرة دولة وليست فكرة سلالة .
ولهذا لم تُستوعب شمالاً ، ولم يُسمح لها أن تلتحق جنوباً ، بل تُركت محاصرة بين حِنشان الجبال وعقارب الخُبوت ، معلقة بين فكين ، فك الغلبة القادم من الشمال ، وفك التوجس القادم من الجنوب .
فهناك سوء فهم تاريخي في الوعي الجنوبي ، وغالباً ماجرى إختزال تعز بوصفها جزءً من "الشمال الذي غزا الجنوب" وهو إختزال مخل ظالم تاريخياً وسياسياً .
والحقيقة أن تعز لم تكن شريكاً في قرار تلك الحرب ، ولم تستفد من نتائجها ، بل كانت أول من دفع ثمنها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً .
تعز أفرغت من دورها كي لاتكون جسراً حقيقياً بين شطرين ، لأن وجود تعز محورية قوية وواعية يعني وجود دولة قوية تسقط مشاريع التمكين والغنيمة شمالاً وجنوباً .
تُستهدف تعز إلى اليوم ، وفي ظل الحرب وهشاشة الدولة ، تظل تعز على حالها تنزف وتدفع وحدها ضريبة الحرية والثورة والجمهورية ، لاتسلح بما يكفي لتتحرر ، ولا تترك لتسقط ، تُدار كمنطقة إنهاك لاكجبهة حسم .
والسبب واضح ، تعز إذا تحررت بقرار وطني ستغير المعادلة في كل الاتجاهات ، وستطرح سؤال الدولة ، لا سؤال الغنيمة ، وستعيد تعريف الصراع من صراع سلالات ومناطق ، إلى صراع مشروعين ، مشروع الدولة ومشروع الولاية والتمكين والغنيمة .
تعز ليست هامشاً يمكن تجاهله ، ولاجائزة يمكن إقتسامها ، بل هي مفتاح توازن ، ومن يفهم تعز جيداً ، يعرف لماذا فشلت كل مشاريع الإخضاع ، ولماذا ستفشل كل مشاريع الإقصاء ، ودور تعز المؤجل في أي تسوية قادمة يقتضي أن تكون جسراً لاخندقاً ، بضمان شراكة لا أداة هيمنة .
هذه هي تعز ، وكل من حاول إختزالها في هوية ضيقة ، خسرها … وخسر اليمن معها .
#تعز_بحر_والبحر_لايقبل_الجثث













