لماذا عجز العدو عن مواصلة التقدم في جبهات صبر.
الاثنين 19 أكتوبر 2026 - الساعة 01:58 صباحاً
لماذا عجز العدو عن مواصلة التقدم، في جبهات صبر، و لماذا علينا ألّا نستعجل الحكم على المعركة؟
سأكتب بلغة بسيطة تنتمي لواقع الناس والمقاتلين الذين في الميدان، وتحتاج إلى قراءة واعية لما يجري على الأرض؛ لأن فهم المعركة يتطلب تجاوز الانتصارات الوهمية لنقترب من قراءة الجغرافيا، وفهم طبيعة الهجوم، وإدراك المرحلة التي وصل إليها الميدان وخرائط الحرب.
منذ جبهة الساحل، مرورا بجبهات الوازعية، ثم التقدم نحو الحجرية، وصولًا إلى إغلاق المنافذ المؤدية إلى مدينة تعز، والسيطرة على جبل هان، ثم التحرك شرقا باتجاه المسراخ، وصولًا إلى جبهات الأقروض، ثم المحاولات ليسطرة على ضحيح والاشتباكات في جبهة الشقب ثم مركز عزلة صنمات حتى منطقة العاوات، وانتهاءا بمحاولات التقدم في محيط أمبيان فوق قرية الصراري؛ يبدو أننا أمام هجوم واسع امتد على جبهات متعددة، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد على المدينة ومحيطها، عبر محاولة اسقاط جبل صبر.
ماذا يعني هذا؟
يعني أننا أمام معركة لا يكفي لفهمها أن نحصي المواقع التي سقطت أو المناطق التي جرى التقدم إليها، بل علينا أن نفهم كيف بدأ الهجوم، وإلى أين وصل، وأين توقف، وما الذي يعنيه توقفه بالنسبة إلى المرحلة التالية.
قبل أربعة أيام، كتبت لكم أننا بحاجة إلى أسبوع من الصمود. لم يكن ذلك حديثا عاطفيا، ولا محاولة لرفع المعنويات بكلمات لا تستند إلى واقع، بل كان تقديرا لأهمية تجاوز مرحلة التراجع والانسحابات، والانتقال من حالة الحركة تحت ضغط الهجوم إلى حالة الدفاع المنظم والثابت، كما هو حال جبهات صبر اليوم.
نحن وفق هذه القراءة، أمام مرحلة مختلفة: مرحلة الدفاع، حيث تقاس بقدرتنا على منع العدو الحوثي من مواصلة التقدم.
في المنطق العسكري، هناك فرق بين الهجوم والدفاع والانسحاب وإعادة التموضع. ولكل مرحلة حساباتها وشروطها. وما قد يبدو تراجعا في لحظة معينة ليس بالضرورة نهاية المعركة، كما أن التقدم في موقع ما لا يعني بالضرورة حسمها.
المشكلة أن هناك من يتعامل مع الميدان بمنطق الانتصار الفوري؛ فبعضهم يتحدث من بعيد، ولا يرى من الجغرافيا إلا ما تنقله المنشورات، وبعضهم يندفع في الحديث لتعويض خسارة هنا أو هناك، وآخرون يخلطون بين السيطرة على موقع وبين السيطرة على المنطقة بأكملها.
ولذلك، دعونا نتجاوز هذه الاصوات قليلًا، وننظر إلى الجغرافيا.
كيف تحرك الهجوم في جبهة المسراخ؟
بحسب القراءة الميدانية من الواقع الذي نعيش، بدأ التحرك من مركز المديرية، مرورا بطريق عزلة مسفر وصولًا إلى النئداني شمال منطقة الصراري، ثم عبر نقيل ذي البرح، في امتداد جغرافي يتصل بسوق أسفل النجد. ومن هناك، اتجه فريق آخر من المليشات من نفس مركز مديرية المسراخ عبر طريق حيرة شمال الأقروض، وصولًا إلى منطقة زنم ذات الأهمية الميدانية.
بعد ذلك، اتخذ التحرك مسارين رئيسيين: مسار باتجاه عزلة صنمات، في مواجهة مناطق خريشة وكحلان وضحيح، ومسار آخر باتجاه عزلة حصبان، المتصلة مباشرة بقرية الصراري.
هذه التفاصيل هي مفاتيح لفهم طبيعة المعركة في صبر.
فالجغرافيا هنا متصلة، والتقدم في منطقة قد يفتح طريقا إلى منطقة أخرى، كما أن تثبيت الدفاع في موقع قد يحد من قدرة المليشيات على مواصلة الحركة في اتجاهات متعددة.
أين يتمركز العدو الآن؟
وفق المعلومات الواردة في هذه القراءة، يتمركز الحوثيون في منطقة العاوات، فوق مركز عزلة صنمات، مع محاولات للضغط على كحلان والالتفاف باتجاه ضحيح. كما تدور مواجهات في داخل قرى أمبيان كمنطقة اشتباك وهي تقع شمالا على امتداد الجبال المترابطه بين عزلتي المسراخ ومشرعة وحدنان ، حيث يحاول الحوثيون الحفاظ على مواقعهم ومواصلة الضغط على خطوط المواجهة.
ومن يريد أن يفهم الصورة بصورة أوسع، يمكنه النظر إلى خريطة المنطقة عبر Google Earth، ومقارنة مواقع الشقب وضحيح والعاوات وأمبيان. سيلاحظ أن هذه المناطق تقع ضمن نطاق جغرافي متقارب، وأن فهم العلاقة بينها أهم من التعامل مع كل موقع بوصفه معركة منفصلة.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
إذا توقف الهجوم عند هذا الخط، فماذا يعني ذلك؟
يعني، إذا ثبتت هذه القراءة ميدانيا، أننا أمام أول خط دفاع يمكن البناء عليه بعد موجة التقدم والتراجع. وهذه خطوة مهمة؛ لأن إيقاف التقدم يختلف عن استعادة الأرض، لكنه قد يكون الشرط الأول الذي يجعل استعادة الأرض ممكنة لاحقًا.
ليس مطلوبا أن نقفز من خسارة المواقع إلى إعلان الانتصار، ولا أن نسمح للخوف بأن يحول كل تراج إلى هزيمة نهائية.
المطلوب أن نميز بين ما حدث بالفعل، وما يمكن أن يحدث، وما لا يزال مجرد توقعات.
أما القول إن هذه المناطق ستتحرر بالسرعة نفسها التي سقطت بها، فذلك أمر لا يمكن الجزم به فهو يعود للقيادة التي تدير المعركة..
لكن الثابت أن استعادة المواقع تصبح أكثر قابلية للتحقق حين تتوقف موجة التقدم، ويستقر خط الدفاع، وتتضح صورة المعركة.
ولهذا، فإن حديثي عن أسبوع من الصمود لم يكن وعدا بانتهاء الحرب خلال أسبوع، ولا تحديدا لموعد استعادة المناطق، بل تأكيدا على أن تجاوز مرحلة الاضطراب الأولى قد يغير طبيعة المعركة، وينقلها إلى مرحلة أخرى تختلف حساباتها عن حسابات الأيام الأولى للهجوم.
ما يهمني الآن أن يثبت خط الدفاع، وأن نفهم ما يجري بعيدا عن المبالغات، وأن نمنح ابناء الميدان حقهم في الوقت والقراءة الصحيحة.. ليفهم أن اللحظة الأهم هي تلك التي يتوقف فيها التقدم، وتبدأ فيها مرحلة جديدة من ترتيب الصفوف .















