عن أي مظلومية يتحدث عنها الحوثي اليوم في خطابه؟

الخميس 08 أكتوبر 2026 - الساعة 11:58 مساءً

 

حين يخرج عبدالملك الحوثي في خطاباته متحدثاً عن "المظلومية"، يبدو وكأن جماعته كانت مجرد ضحية هبطت عليها الحرب من السماء، وليست القوة المسلحة التي انقلبت على التوافق الوطني، واجتاحت المدن، ومزقت نسيج الدولة اليمنية. إن التساؤل الأول والأهم الذي يفرضه الواقع على كل يمني: عن أي مظلومية يتحدث الحوثي؟ ومن الذي اعتدى على إرادة اليمنيين وقوض مؤسساتهم واقتاد البلاد إلى أتون الحرب؟

 

إن استخدام مفهوم "المظلومية" في الخطاب الحوثي ليس قراءة منصفة للتاريخ، بل هو تكتيك سياسي وأداة شحن تعبوية تُستخدم لغسيل الأخطاء وتبرير الانتهاكات. يُقدّم الحوثي جماعته باعتبارها الطرف المعتدى عليه، مع إسقاط تعمدي لكل ما سبق الحرب؛ بدءاً من التمرد المسلح وسقوط العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وليس انتهاءً بفرضه الإقامة الجبرية على القيادات الوطنية ومصادرة قرار الدولة. والأنكى من ذلك، أن هذه المظلومية لا تُستحضر لمعالجة آلام الماضي، بل لتعبئة الحاضر؛ فكلما ضاق الخناق السياسي أو الاقتصادي، يُستدعى ملف الدماء والضحايا لتحويل الفاجعة الإنسانية إلى شاحن للقتال ووقود لاستمرار الحرب.

 

الأمم المتحدة وثقت أن الحوثيين وحلفاءهم سيطروا على صنعاء في سبتمبر 2014، ثم سيطروا على مؤسسات حكومية، قبل أن يصدر مجلس الأمن في فبراير 2015 قراراً طالبهم بالانسحاب الفوري وغير المشروط من مؤسسات الدولة، وإطلاق الرئيس عبدربه منصور هادي ومن كانوا تحت الإقامة الجبرية، والدخول بحسن نية في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة.

 

لذلك فإن استخدام «المظلومية» في الخطاب الحوثي يحتاج إلى وضعه في سياقه: المظلومية هنا ليست وصفاً محايداً للتاريخ، بل جزء من خطاب التعبئة السياسية؛ إذ يجري تقديم الجماعة باعتبارها الطرف الذي يتعرض للعدوان، مع إغفال المسار الذي سبق الحرب، بما فيه السيطرة المسلحة على العاصمة ومؤسسات الدولة.

 

والأهم أن الحوثي لا يستخدم المظلومية لتفسير الماضي فقط، بل يوظفها لتعبئة الحاضر. كلما تحدث عن الدماء والضحايا والأطفال، ينتقل الخطاب من الواقعة الإنسانية إلى دعوة المجتمع إلى مزيد من التعبئة والتحشيد. وهنا تتحول المظلومية من ملف إنساني يحتاج إلى عدالة ومساءلة إلى أداة سياسية وعسكرية لإدامة الصراع.

 

أما حديث الحوثي عن باب المندب والملاحة الدولية فيحتاج إلى قلب السؤال عليه: من جعل البحر الأحمر جزءاً من الصراع الإقليمي؟

 

الأمم المتحدة أعلنت في يوليو 2026 قلقها من استئناف الحوثيين هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر، وقالت صراحة إن هذه الهجمات تهدد الملاحة الدولية وتعرض حياة البحارة للخطر، ودعت الحوثيين إلى وقف الهجمات، مؤكدة ضرورة استعادة حرية الملاحة وحقوقها الدولية في باب المندب ومحيطه.

 

وفي إحاطة لاحقة أمام مجلس الأمن في أغسطس 2026، قال المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إن هجمات أنصار الله على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن تهدد حياة البحارة وتزيد ارتباط اليمن بالصراع الإقليمي.

 

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الخطاب الحوثي: الجماعة تتحدث عن حماية الملاحة في الوقت الذي أصبحت فيه هجماتها على الملاحة نفسها جزءاً من أزمة أمن البحر الأحمر.

 

ووفق التحذير البحري الأمريكي المحدث، شهدت الفترة من نوفمبر 2023 إلى أكتوبر 2025 أكثر من 100 هجوم حوثي منفصل على سفن تجارية، أثرت على أكثر من 60 دولة، كما شملت الهجمات في يوليو 2025 إغراق سفينتي «Magic Seas» و«Eternity C» ومقتل بحارة.

 

لذلك فإن الحديث عن أن الآخرين «حوّلوا باب المندب إلى منطقة حرب» لا يمكن قراءته بمعزل عن الوقائع العسكرية في البحر. باب المندب ليس ملكاً لجماعة مسلحة ولا ورقة تفاوضية خاصة بها؛ إنه ممر دولي تتعلق به مصالح اليمن والعالم كله.

 

والتناقض يصبح أكبر عندما يتحدث الحوثي عن السيادة اليمنية. فالسيادة لا تعني أن تفرض جماعة مسلحة قرارها على الدولة، ولا أن تتحول الممرات الدولية إلى أدوات للضغط السياسي والعسكري. السيادة، في معناها القانوني والسياسي، ترتبط بمؤسسات الدولة وبقدرتها على احتكار القرار العسكري والأمني وحماية أراضيها وممراتها.

 

أما الحديث عن أن الحوثيين رفضوا كل الحوارات، فيحتاج إلى صياغة أكثر دقة. الجميع يعرف ما حدث مع الحوثيين، من حروب صعدة الست إلى اللحظة مع هذه المليشيات، وما رافق تلك السنوات من جولات تفاوض واتفاقات ووساطات ومحاولات سياسية لم تمنع استمرار الصراع.

 

المسار اليمني شهد بالفعل جولات واتفاقات ومبادرات أممية متعددة، ولم يكن الطريق السياسي خالياً من التفاوض. ففي ديسمبر 2018 أقر مجلس الأمن اتفاق ستوكهولم بين الحكومة والحوثيين، بما شمل وقف إطلاق النار في الحديدة وإعادة الانتشار من المدينة والموانئ، إضافة إلى آلية لتبادل الأسرى وتفاهم بشأن تعز.

 

وهذا يعني أن السؤال ليس فقط: «من يطالب بالسلام؟»، وإنما أيضاً: ماذا حدث لكل اتفاق؟ وما الذي نُفذ منه؟ وما الذي بقي معلقاً؟ ومن استفاد من استمرار الوضع العسكري؟

 

والساحل الغربي يقدم مثالاً أكثر وضوحاً على ذلك.

 

ففي سبتمبر 2026، وثق المبعوث الأممي تصعيداً كبيراً على الساحل الغربي، وقال إن أنصار الله شنوا هجوماً واسعاً شمل المخا، بينما أفادت الأمم المتحدة لاحقاً بتغيرات كبيرة في خطوط السيطرة على الساحل. كما وثقت مصادر أخرى سيطرة الحوثيين على المخا ومناطق ساحلية أخرى واقترابهم من باب المندب.

 

وهنا لا يعود ممكناً فصل خطاب «الملاحة» عن الجغرافيا العسكرية. كلما اقتربت القوة المسلحة من الساحل وباب المندب، أصبحت قدرتها على التأثير في الملاحة جزءاً من ميزان القوة في الحرب.

 

أما تعز، فهي ليست تفصيلاً هامشياً في الصراع. فالأمم المتحدة أكدت في أغسطس 2026 أن الهجمات الحوثية امتدت إلى مأرب وحضرموت والمخا وغيرها، وحذرت من خطر العودة إلى حرب واسعة. وفي سبتمبر تحدث المبعوث الأممي عن تصعيد واسع على الجبهات، خصوصاً الساحل الغربي.

 

ولهذا فإن أي خطاب يقدم الحوثيين فقط باعتبارهم ضحية للآخرين ويتجاهل سجل العمليات العسكرية والسيطرة على الأرض لا يقدم صورة كاملة لليمني.

 

اليمني لا يحتاج إلى خطاب جديد عن المظلومية بقدر ما يحتاج إلى إجابة عن سؤال الدولة: أين هي الدولة؟ ومن يملك قرار الحرب والسلام؟ ومن يقرر فتح الجبهات أو إغلاقها؟ ومن يقرر التعامل مع الممرات الدولية؟ ومن يتحمل مسؤولية المدنيين عندما تعود الحرب؟

 

الحديث عن الأطفال والنساء والضحايا لا ينبغي أن يكون حكراً على طرف. دم اليمني ليس حجة سياسية لجماعة ضد جماعة، ولا ينبغي تحويل الضحايا إلى وقود للتعبئة. وكل انتهاك ضد المدنيين يجب أن يخضع للتحقيق والمساءلة، بصرف النظر عن هوية مرتكبه.

 

كما أن الحديث عن فلسطين لا يمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً باستخدام الأراضي والمياه اليمنية في صراع إقليمي. القضية الفلسطينية قضية سياسية وإنسانية كبرى، لكن تحويل اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية لا يلغي حق اليمنيين في الأمن والسيادة وحماية مصالحهم.

 

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الخطاب الحوثي: نقل النقاش من «كيف استعيدت الدولة؟» إلى «من يقف مع فلسطين ومن يقف ضدها؟»، ومن «من يملك قرار الحرب؟» إلى «من يواجه أمريكا وإسرائيل؟». هذه النقلة الخطابية تجعل النقاش حول أصل الأزمة اليمنية أكثر صعوبة، لأنها تستبدل سؤال الدولة بسؤال الهوية والصراع الإقليمي.

 

اليمنيون يعرفون أن الحرب لم تبدأ في البحر الأحمر، ولم تبدأ مع أحداث غزة. الأزمة اليمنية سبقت ذلك بسنوات، وسبقتها السيطرة المسلحة على صنعاء ومؤسسات الدولة، ثم سلسلة طويلة من الحروب والمواجهات والانقسامات.

 

لذلك فإن الرد اليمني على خطاب المظلومية ليس إنكار معاناة اليمنيين، بل رفض احتكارها.

 

لا يمكن أن تكون هناك مظلومية حقيقية من دون الاعتراف بمظلومية بقية اليمنيين.

 

ولا يمكن الحديث عن السيادة بينما قرار الحرب والسلم بيد جماعة مسلحة.

 

ولا يمكن الحديث عن حماية الملاحة بينما الهجمات على السفن التجارية أصبحت موضع تحذيرات أممية ودولية.

 

ولا يمكن الحديث عن السلام دون الإجابة عن مصير الاتفاقات التي رعتها الأمم المتحدة.

 

ولا يمكن الحديث عن فلسطين بطريقة تجعل اليمنيين يدفعون وحدهم ثمن صراع يتجاوز حدود بلدهم.

 

خطاب عبدالملك الحوثي الحوثي دائما يعتمد على الكذب والمغالطات ويعيد إنتاج ثلاث رسائل رئيسية: المظلومية لتعبئة الداخل، والتهديد الخارجي لتبرير استمرار المواجهة، والبحر الأحمر كورقة ضغط إقليمية. لكن الوقائع التي وثقتها الأمم المتحدة خلال 2026 تجعل ملف الملاحة تحديداً غير قابل للطرح من زاوية واحدة؛ فالأمم المتحدة تحدثت عن استئناف هجمات حوثية على سفن تجارية، وحذرت من تهديدها للملاحة وحياة البحارة.

 

ومن المنظور اليمني، فإن المعادلة الأهم ليست: من يملك خطاب المظلومية الأقوى؟ بل: من يعيد اليمن إلى دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وقرار عسكري وسياسي واحد، ويضع البحر والحدود والموانئ والممرات الدولية تحت سلطة الدولة والقانون؟

 

وهذا هو السؤال الذي لا يستطيع أي خطاب تعبوي، مهما كانت قوة مفرداته، أن يلغي ضرورته.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس