في الذكرى السادسة والخمسين لرحيل جمال عبدالناصر: الأمة التي نحلم بها
الاثنين 28 سبتمبر 2026 - الساعة 10:25 مساءً
في الثامن والعشرين من سبتمبر، نستذكر الزعيم جمال عبدالناصر بعد ستة وخمسين عامًا من رحيله. وأنا، كقومي عربي ناصري، لا أرى في تجربته مجرد مرحلة من تاريخ مصر، بل مشروعًا للتحرر والتنمية والعدالة، آمن بأن كرامة الإنسان العربي لا تكتمل ما دامت بلاده خاضعة للاستعمار أو الاستبداد أو الفقر.
كان مشروع عبدالناصر مصريًا في جذوره، عربيًا في انتمائه، وإنسانيًا في أفقه. وقف إلى جانب حركات التحرر العربية، وكان دعمه لثورة اليمن ضد حكم الإمامة علامة فارقة في تاريخ الجمهورية اليمنية. وساند نضال الجزائر وسائر الشعوب الساعية إلى الاستقلال، وآمن بأن للدول الخارجة من الاستعمار حقًا في تقرير مصيرها بعيدًا عن هيمنة المعسكرات الدولية. ومن هذا الإيمان شارك، إلى جانب تيتو ونهرو وسوكارنو ونكروما، في تأسيس حركة عدم الانحياز.
وفي الداخل، انحاز عبدالناصر إلى الفلاح والعامل والفقير. جاءت قوانين الإصلاح الزراعي لتحدّ من سطوة الإقطاع وتفتح للفلاحين طريق امتلاك الأرض، واتسع التعليم العام حتى أصبح ابن الأسرة البسيطة قادرًا على أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا. كانت الفكرة التي نؤمن بها في جوهر تلك التجربة واضحة: لا قيمة لاستقلال الوطن إذا ظلّت فرص أبنائه حكرًا على أصحاب المال والنفوذ.
وحين وقعت نكسة يونيو ١٩٦٧، أعلن عبدالناصر تحمّله المسؤولية وقرّر التنحي. خرجت الجماهير في مصر والعالم العربي يومي ٩ و١٠ يونيو مطالبةً ببقائه، فعاد إلى مسؤولية إعادة بناء القوات المسلحة. ثم خاض الجيش المصري حرب الاستنزاف، واستمر تطويره حتى حقق عبور السادس من أكتوبر ١٩٧٣، بعد رحيل عبدالناصر بثلاث سنوات. إن هذا الإنجاز ثمرة جهد مؤسسات وقادة وجنود عبر سنوات متصلة، يستحق كل منهم حقه في الذاكرة الوطنية.
لكن الوفاء لعبدالناصر، في نظري، لا يعني أن نكرر تجربة الماضي بكل ما فيها. بل يعني أن نتعلم منها: من إنجازاتها وإخفاقاتها معًا. فالوحدة العربية التي نحلم بها لا تُبنى بقرار فرد، ولا تستقيم في ظل حكم عائلي أو طائفي أو ديكتاتوري. الحرية والعدالة والتنمية وبناء المؤسسات تسبق الوحدة وتمهّد لها؛ والإنسان هو غايتها، لا أداة تُضحّى بحقوقها من أجل شعارها.
أؤمن بأن الدولة الاتحادية، القائمة على توافق الشعوب ومصالحها، هي الصيغة الأقدر على جمع أمتنا مع احترام خصوصية كل إقليم. فهي تتيح إدارة محلية مسؤولة، وتفتح باب التنافس في التنمية والخدمات، وتضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة. غير أن الاتحاد يحتاج أولًا إلى دول مؤسسات، وقضاء مستقل، ومواطنة متساوية، وتداول سلمي للسلطة عبر انتخابات حرة.
ويجب أن يبقى تغيّر الحكومات تغييرًا للقيادة السياسية وبرنامجها، لا استيلاءً على مؤسسات الدولة أو إقصاءً لموظفيها بسبب آرائهم وانتماءاتهم. فالوظيفة العامة حق يقوم على الكفاءة، والتعليم والرعاية الصحية حقان لكل مواطن. كما يجب أن يكون الجيش والأمن مؤسستين وطنيتين تضمان أبناء البلاد من كل منطقة ومذهب وخلفية، وتحميان الدولة والشعب، لا حزبًا أو أسرة أو طائفة.
ونرفض أن تُختطف الدولة باسم الدين، أو أن تستخدم الأحزاب المنابر والمؤسسات الدينية أدواتٍ لاحتكار السلطة. نحترم إيمان الناس ونصون حريتهم الدينية، ونتمسك في الوقت نفسه بقاعدة المواطنة: الدين للشعب، والدولة للجميع.
رحم الله جمال عبدالناصر. سيبقى حاضرًا بما أيقظه من أمل في نفوس الفقراء، وبما مثّله من إيمان بقدرة العرب على التحرر والنهوض. وأفضل وفاء لهذا الأمل أن نبني مشروعًا عربيًا جديدًا يتعلم من التاريخ، ويستخدم العلم، ويحمي الحرية، ويجعل العدالة والتنمية أساسًا لوحدة الأمة من المحيط إلى الخليج.
▪︎ أكاديمي ونقابي يمني














