خلف أسوار الدبلوماسية المنسية: سفارة اليمن في موسكو وعقدة "الرجل الواحد".
الاحد 30 أغسطس 2026 - الساعة 07:27 مساءً
في غمرة الوجع الذي يعصف باليمن، يتطلع المغتربون والطلاب والزوار في منافيهم البعيدة إلى سفارات بلادهم كأطواق نجاة تلملم شتاتهم وتصون كرامتهم، لكن الصورة القادمة من العاصمة الروسية موسكو تكسر هذا الخاطر، وترسم مشهداً يدمي القلوب لبعثة ضلت بوصلتها الوطنية، وصارت أشبه بجزيرة معزولة تحكمها نرجسية ضيقة، لتتحول في ظل إدارة السفير أحمد سالم الوحيشي إلى إقطاعية خاصة تدار بعقلية الاستحواذ وعبثية المحسوبية.
وحين يتأمل المرء واقع الحال، يجد نفسه أمام ظاهرة غريبة تختزل مفاصل دولة كاملة في فلك رجل واحد، فالسفير هناك يرتدي كل الأقنعة ويحتكر جميع الأدوار، فهو القنصل، والمسؤول السياسي، والاقتصادي، والإعلامي، قابضاً على كل الخيوط بيده، فلا هو ترك ذوي الكفاءة ينجزون مهامهم، ولا هو قدم ما يشفع له في سجل الإنجاز الوطني.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه الساحة السياسية في دولة عظمى مثل روسيا الاتحادية إلى حضور يمني يقظ وفاعل يواكب المنعطفات المصيرية لبلادنا الجريحة، رحل العمل السياسي الحقيقي إلى رصيف الإهمال، وبدلاً من إشعال شموع الأمل للوطن، يتسابق السفير بحماس مفرط نحو المنتديات وحلقات الندوات والمؤتمرات الشبابية والتعليمية والثقافية ، جرياً وراء سراب الوجاهة الشخصية وحب الظهور، متنقلاً بين المدن الروسية الواسعة ومخلفاً وراءه قضايا الوطن المنسي وهموم أبناء الجالية تتقاذفها رياح الضياع.
ولم تعد هذه السلسلة من السفرات المتكررة بالمنفعة على اليمن، إذ تحول حضوره في هذه المحافل إلى مجرد مشاركات هامشية باهتة، فالأشد مرارة أن السفير لا يقدم ورقة عمل واحدة، ولا يلقي محاضرة توضح للرأي العام الوضع المأساوي في بلاده، عاجزاً عن إيصال أي رسالة سياسية، أو إنسانية، أو اقتصادية تخدم القضية الوطنية، مختزلاً غاية وجوده الدبلوماسي في مجرد تسجيل الحضور والانصراف كعابر سبيل يبحث عن لقطة كاميرا.
هذا الغياب المستمر ترك فراغاً قاتلاً في التواصل الاستراتيجي المفترض مع القيادة والمسؤولين في العاصمة موسكو، فالأعراف الدبلوماسية تقتضي أن يتفرغ السفير للمهام السياسية الكبرى ويصون هيبة المنصب، بينما يترك تمثيل البلاد في الندوات العامة لدبلوماسيي السفارة ومختصيها، غير أن "عقدة التفرد والنقص" التي تسيطر على وعي الوحيشي تدفعه لاحتكار الفضاء كله، مقصياً الجميع خشية أن يبرز أي صوت غير صوته.
ولمواجهة هذا الخلل الفاضح، يعمد السفير إلى غزل تقارير دورية يرفعها إلى الداخل، محشوة بالزيف والنجاحات الوهمية لتلميع صورته وتغطية إخفاقه المزمن، الذي تتسع رقعته يوماً بعد يوم ليكشف عن الوجه القبيح للمحسوبية، إذ لا يغادر موسكو في سفراته الداخلية إلا وبرفقته أحد أبناء إخوته الثلاثة، هؤلاء الفتية الذين غصت بهم أروقة السفارة بعد أن نالوا مقاعد دراسية مجانية عبر رسائل توصية انتزعت من حقوق مستحقيها، ورغم تعثرهم الدراسي، يتم اصطحابهم في الجولات الرسمية ومعاملتهم كـ "موظفين" على حساب كرامة الوظيفة العامة، وفي المقابل، يفرض تهميش متعمد ومجحف بحق الدبلوماسيين والمختصين الأكفاء الذين أقصوا إلى عتمة الظل لتخلو الساحة لقرابة الدم.
وينعكس هذا التسيب الإداري بظلاله القاتمة على المعاملات اليومية للمواطنين، إذ لا يبدأ الدوام الفعلي للسفير إلا بعد الساعة الثانية ظهراً لتوقيع الأوراق المتراكمة، والتي باتت تخرج مشوهة ومليئة بالأخطاء اللغوية والإملائية الكارثية باللغة الروسية.
والسر يكمن في إقصاء سكرتاَير القنصلية المؤهل، وتسليم دفة الطباعة والصياغة لابن أخيه، الشاب عديم الخبرة والركيك لغويا، ليتحكم بمصائر معاملات حساسة تخص أبناء الجالية دون أدنى وعي أو مسؤولية.
والمأساة الأكبر أن هذه المراسلات والوثائق الرسمية المعيبة تسلَم بشكل مباشر إلى جهات ومؤسسات حكومية روسية، مسببة حرجاً دبلوماسياً دائماً لبلادنا، وفضيحة تمس وقار الدولة اليمنية وسيادتها، إذ تثير هذه الأوراق الصادرة بركاكة وأخطاء بدائية استغراباً وضحكاً في أروقة الجهات الرسمية الروسية التي تقابل هذا الاستهتار بالتعجب والتهكم والسخرية.
وامتد حبل العبث إلى الميزانية العامة، فبعد خروج سكرتير الشؤون القنصلية والمالية، وظف السفير صحفياً عربياً (كبيراً في السن) لا علاقة له بالعمل الإداري أو المالي، وتم صرف مرتبه من خزينة الدولة المنهكة لغاية واحدة فقط: أن يتفرغ لكتابة كتاب شخصي جديد للسفير الوحيشي، بل وإن طباعته ستكون أيضاً على حساب الدولة، لتسخر مقدرات الوطن لخدمة الأمجاد الشخصية، وتترك المهام الأساسية لفتية يفتقرون للخبرة.
ولعل أكثر فصول هذه الرواية إيلاماً وبشاعة وتجسيداً لهذا التعنت المطلق، هي المأساة التي تجرعتها الطالبة اليمنية هبة رأفت نعمان الأغبري، والتي تقطعت بها الأسباب والوقت في مدينة إيكاتيرينبورغ الروسية، حيث كانت كل مشكلتها تنحصر في إجراء روتيني بسيط يتمثل في نقل إقامتها من جواز سفرها القديم إلى الجواز الجديد. ونظراً لضيق الوقت الحرج، التمست الطالبة من السفارة مجرد رسالة رسمية موجهة إلى مسؤولي الهجرة الروس لتسهيل تسريع هذه الإجراءات المعتادة، إلا أن السفير الوحيشي قوبل هذا الرجاء برفض قاطع وجاف وبنرجسية استعلائية ،وهذا التعنت غير المبرر أصاب مسيرتها التعليمية في مقتل، وأجبرها مكرهة على مغادرة الأراضي الروسية والنزوح نحو جمهورية مصر العربية، لتدخل في دوامة انتظار طويلة ومرهقة للحصول على دعوة رسمية وتأشيرة دخول جديدة من نقطة الصفر، متكبدة في رحلة الشتات هذه خسائر مالية فادحة بلغت آلاف الدولارات، فضلاً عن ضياع شهور ثمينة من عمرها الدراسي وهي مرابطة في القاهرة، تدفع وحيدةً ثمن نرجسية عاتية لم تعبأ بمستقبلها ولا بوجع غربتها.
إن ما يحدث في سفارة اليمن بموسكو يتجاوز حدود التقصير الإداري المعتاد، إنه ليس مجرد انكفاء عابر، بل امتداد لسطوة من النقمة والضغينة، وهندسة متعمدة للأذى تمارس بنشوة غريبة وتلذذ منقطع النظير يفتقر لأدنى مراتب الإنسانية، ليجد المواطن نفسه محاصراً بوجع الغربة وقسوة من يفترض بهم حمايته، إننا أمام مشكلة عويصة ومعقدة، فكيف يمكن لشخص واحد أن يعطل بوصلة مؤسسة بأكملها ويحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات وإشباع النزوات، ومن المؤسف والمخزي حقاً أن يجلس على رأس هرم الدبلوماسية اليمنية في عاصمة دولية كبرى شخص يحمل هذه الصفات، ويسير بالبعثة نحو هذا المنحدرالعبثي.
ولكن، وإن طال ليل العبث واستبدت النرجسية بالقرار، فإن للتاريخ ذاكرة لا تنسى، وللحق صوتاً سينتصر حتماً لكرامة المغترب وأوجاع الوطن، فالكراسي لا تدوم لأحد، وحبر الزيف في التقارير المرفوعة للداخل تذروه رياح الحقيقة العارية.
إن هذا الواقع المرير يضع اليوم مجلس القيادة الرئاسي، ووزارة الخارجية، والحكومة اليمنية أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تقبل التأجيل، ليكون القرار الفصل، فتطهر الدبلوماسية اليمنية من خرف الأنانية والنرجسية، وتغسل أروقتها من دنس المحسوبية، ويعاد الاعتبار لاسم اليمن وللكفاءات المخلصة، لتبقى السفارة كما يجب أن تكون: بيتاً دافئاً وحصناً منيعاً لكل يمني تقطعت به السبل في بلاد الغربة، وليس سوطاً يجلد آمالهم ويستبيح كرامتهم.













