حين تنتصر العدالة.. شهادة حق في الدكتور عبدالرحيم السامعي
الخميس 27 أغسطس 2026 - الساعة 09:52 مساءً
لأكثر من عام، ظل الدكتور عبدالرحيم السامعي يتنقل بين أروقة النيابة والمحكمة، بعد أن أُوقف عن عمله، وتعرّض لحملة استهدفت سمعته وتاريخه، وسعت إلى النيل من مكانته المهنية والإنسانية، في قضية أثارت الكثير من الجدل والألم.
واليوم، وبعد رحلة طويلة من الصبر والانتظار، أصدرت المحكمة حكمها ببراءة الدكتور عبدالرحيم السامعي، لتُطوى بذلك صفحة مؤلمة من الاتهام والتشهير، ويأتي الحكم ليعيد إلى الرجل شيئًا من الاعتبار الذي يستحقه.
فالبراءة اليوم ليست مجرد حكم قضائي؛ إنها، في نظر من عرفوا الرجل عن قرب، إنصاف لإنسان تحمّل عامًا ونيف من القلق والاتهام، وصمد أمام ظروف قاسية كان يمكن أن تكسر عزيمة الكثيرين.
وأقول هذه الكلمات شهادة حق، بعيدًا عن أي مجاملة أو مصلحة شخصية، فقد عرفت الدكتور عبدالرحيم السامعي عن قرب، وشاركتُه جزءًا من أصعب سنوات تعز وأكثرها قسوة.
كان عبدالرحيم رجلًا مناضلًا وجسورًا، حمل أعباءً ثقيلة منذ بداية الحرب عام 2015. تعرّض للاعتقال من قبل جماعة الحوثيين، لكنه، بفضل الله، خرج من تلك المحنة أكثر إصرارًا على مواصلة دوره ومسؤوليته، ولم يستسلم للظروف، بل عاد إلى ميدان العمل والنضال بكل ما يمتلكه من حس إداري وروح مهنية.
وعندما عُيّن مديرًا لمكتب الصحة العامة والسكان في محافظة تعز، كان يحمل هموم المحافظة وأهلها فوق كتفيه. أتذكره دائمًا وهو يحمل تلك الحقيبة فوق ظهره، وكأنها تختصر كل الملفات والقضايا والأوجاع التي كانت تعيشها تعز في تلك المرحلة.
لقد تشاركنا معًا كثيرًا من الهموم والمسؤوليات، وسافرنا مرات عديدة إلى العاصمة عدن بحثًا عن المساعدات الإنسانية، من الأدوية ومواد الغسيل إلى الأغذية والمستلزمات الطبية. تقاسمنا لقمة العيش في ظروف بالغة القسوة، وأقمنا في فنادق شعبية متواضعة، ولم يكن ذلك يمنعنا من مواصلة العمل والسعي من أجل أهلنا ومرضانا.
كان للدكتور عبدالرحيم علاقات واسعة مع المنظمات الدولية والمحلية، وكان يتواصل مع مختلف الشخصيات والجهات بحثًا عن أي دعم يمكن أن يصل إلى تعز. أتذكر جيدًا أنه كان يقود سيارته، وهاتفه لا يفارق يده، يتابع هذا الملف أو ذاك، ويتواصل مع هذه الجهة أو تلك، وكأن التوقف عن العمل لم يكن خيارًا بالنسبة إليه.
ومن العبارات التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، تلك المقولة الشهيرة التي كان يرددها في وصف صمود تعز ومعاناتها، عندما قال إن الحمير أصبحت تنقل الأوكسجين إلى تعز؛ صورة تختصر حجم الحصار والمعاناة، وفي الوقت نفسه تكشف عن إصرار أهل هذه المدينة على البقاء ومقاومة الظروف مهما بلغت قسوتها.
لم يكن عملنا مقتصرًا على المكاتب والمراسلات. شاركنا معًا في البحث عن النازحين، وتوزيع الأدوية، ونقل المرضى إلى مستشفيات المدينة، ومحاولة توفير ما يمكن توفيره من احتياجات صحية وإنسانية في وقت كانت فيه أبسط مقومات الحياة شحيحة وصعبة المنال.
هذه ليست كل الحكاية، فالحديث عن الدكتور عبدالرحيم السامعي يطول، والسنوات التي عشناها معًا تحمل الكثير من التفاصيل والمواقف التي يصعب اختصارها في مقال.
لكنني اليوم، وأنا أرى صدور حكم البراءة، لا أملك إلا أن أقول لأخي وصديقي العزيز الدكتور عبدالرحيم:
ألف مبروك لك البراءة.
أسأل الله أن تكون هذه الصفحة قد أُغلقت إلى الأبد، وأن يعود إليك حقك واعتبارك، وأن يعوّضك عن كل ما عانيته خلال هذه السنوات.
كما أتمنى من أعماق قلبي لجميع زملائنا الأطباء الذين يواجهون قضايا ومحنًا مشابهة، أن تظهر الحقيقة كاملة، وأن يحصل كل من يستحق الإنصاف على براءته، وأن تبقى العدالة هي الملاذ الأخير لكل مظلوم.
فالحق قد يتأخر، لكنه لا يموت، والعدالة قد تتعثر، لكنها حين تنتصر تعيد للإنسان شيئًا من كرامته.
ألف مبروك يا دكتور عبدالرحيم،
وحفظك الله، وحفظ تعز وأهلها.
كونوا بخير.
د














