هذا ما فعلته بنا الحرب (7)
الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - الساعة 10:39 مساءً
وجد الكثير من المتسلقين في الحرب فرصةً لشق طريقهم نحو المجد والشهرة، وبناء مستقبلهم على حساب دماء الأبرياء ومعاناة المواطنين، كما تحولت الكثير من القيادات العسكرية والمدنية والحزبية والشعبية إلى تجار ومستثمرين ومقاولين للحرب والمعاناة الإنسانية التي حلّت باليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية.
وقد توسعت مصالح ونفوذ طرفَي الحرب وقياداتهما، مع توسع دائرة الصراع داخل اليمن، وتحويل الساحة الوطنية إلى حلبة صراع إقليمي ودولي، تحت إشراف وإدارة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حيث تطورت أسباب ومبررات الصراع في اليمن من خلافات سياسية «حول رؤى ووجهات نظر بشأن بناء الدولة وإدارة مؤسساتها وشكل نظام الحكم في اليمن»، إلى صراع بين مشاريع نفوذ ومصالح إقليمية ودولية.
وفي الوقت الذي يعاني فيه معظم اليمنيين في الداخل من الفقر والجوع والخوف ومرارة الحياة وقسوتها، فإن الكثير من القيادات والشخصيات السياسية والعسكرية والمدنية والدينية والاجتماعية والحقوقية والإعلامية والشبابية، ومشاهير مواقع التواصل الاجتماعي وغيرهم، يعملون بجهد وإخلاص على استمرار الحرب والصراع المسلح، وتوسيع فجوة الخصومات السياسية والفكرية بين الطرفين، ويحققون من وراء ذلك مصالح شخصية وأطماعًا فردية، متسترين تحت شعارات وطنية جوفاء ومزيفة لا تمت إلى الوطن والمشروع الوطني بصلة.
لقد أصبحت الحرب بالنسبة إلى هؤلاء مشروعًا استثماريًا خصبًا ومربحًا، لا يرغبون في زواله أو توقفه ، والمؤسف حقًا أنهم يدركون جيدًا أنهم يعملون ضمن مشاريع إقليمية ودولية تسلبهم قراراتهم وإراداتهم وسيادة وطنهم، وتحولهم إلى مجرد أدوات للاستهلاك في تدمير وطنهم ومجتمعاتهم وتقويض حقوقهم وحرياتهم الفردية والعامة، في مقابل تحقيق رغبات ومصالح شخصية وفردية.
وتتمثل هذه المصالح، بالنسبة إلى بعضهم، في بناء الفلل والعمارات، وشراء الأراضي والعقارات، وكسب الولايات، وشراء الذمم والمواقف، وبسط النفوذ والسيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها، وتجيير خدماتها وفق أجندتهم السياسية والفكرية.
وبالنسبة إلى البعض الآخر، تتمثل في تكوين أرصدة مالية في البنوك والمصارف العربية والعالمية، واستثمارها في مشاريع وخدمات داخل عدد من الدول العربية والأوروبية، وشراء الشقق والمباني في عدد من المدن العربية والتركية والأوروبية، والإقامة في أفخم الفنادق والمنتجعات السياحية، وتعليم أبنائهم في أكبر الجامعات الغربية، وضمان حصولهم على الجنسيات الأوروبية والأمريكية والكندية وغيرها، ناهيك عن سيطرة الطرفين على المساعدات والمواد الإغاثية والإنسانية، والتحكم في مسار توزيعها ضمن مناطق نفوذهم.
صحيح أن هناك قيادات وشخصيات وطنية تعمل ضمن صفوف طرفَي الصراع، وتتمتع بوعي كبير وقدرٍ عالٍ من المسؤولية، وتدرك حجم الكارثة التي وصلنا إليها بسبب الحرب، لكنها قيادات مقيدة الحركة، ومستبعدة من مراكز ومواقع القيادة والمسؤولية والتأثير، ولا قدرة لها على تحديد مسار العملية السياسية أو وقف المواجهات العسكرية.
وقد ظل هؤلاء طوال سنوات الحرب متمسكين بخيار السلام، ومعبرين عن صوت الحكمة اليمنية، ويقدمون النصائح والحلول الرشيدة والمعالجات المناسبة لمختلف الأزمات والمشكلات التي عصفت باليمن، لكن جهودهم تلك لا تلقى اهتمامًا لدى القيادات المؤثرة في صفوف الطرفين، وكثيرًا ما نجدهم عرضةً لحملات التشهير والتخوين والتشويه والتشكيك في مواقفهم الوطنية.
الخلاصة: لم يعد طرفا الصراع يمتلكان القدرة على اتخاذ قرار بوقف الحرب والتوصل إلى اتفاق سياسي يعيدهما إلى المسار الصحيح، فقد تحولا إلى وسائل وأدوات لتنفيذ أجندات الصراع بين المشاريع الإقليمية والدولية، فيما يستمر غالبية المواطنين في معاناتهم، وتسوء أوضاعهم المعيشية يومًا بعد يوم.















