هذا ما فعلته بنا الحرب (5)

الخميس 06 أغسطس 2026 - الساعة 08:42 مساءً

 

لم تكن فترات الهدنة التي أُعلن عنها بين الأطراف المتصارعة على السلطة في اليمن خلال السنوات الخمس الماضية كافية لإنهاء معاناة المواطنين في مختلف المناطق والمحافظات، بل أسهمت في تزايد تلك المعاناة وتصاعدها؛ كونها لم تفتح أبواباً للحلول السياسية والمصالحة الوطنية بين الطرفين. مع التأكيد أن الأعمال العسكرية لم تتوقف بالكامل، بل شهدت فترات الهدنة اشتباكات متقطعة على جبهات ومحاور القتال المختلفة، إضافة إلى أن التصعيد السياسي، وتبادل الاتهامات، والتصريحات، والبيانات، استمر ولا يزال مستمراً حتى يومنا هذا، مع وجود مؤشرات عدة تؤكد أن المواجهات العسكرية قد تتجدد بين الطرفين، وأن اليمن واليمنيين باتوا أمام مرحلة جديدة من الحرب، ربما تكون الأسوأ.

 

وخلال السنوات الماضية تفاقمت الأزمة الإنسانية في اليمن، وتضاعفت معاناة المواطنين إلى درجة الوصول إلى حافة الجوع، حيث خرج عدد من المواطنين ليعلنوا عن جوعهم مع أطفالهم، بعد أن استنفدوا مدخراتهم، وباعوا ممتلكاتهم، وفقدوا مصادر عيشهم. كما تلاشت تماماً ما كانت تُسمى بالطبقة الوسطى، وتحولت معظم الأسر اليمنية إلى طبقة فقيرة، بل إلى أشد الفئات فقراً، في ظل تخلي الطرفين عن مسؤولياتهما وتجاهلهما لمعاناة المواطنين.

 

ومن خلال هذه الأسطر سنتناول نقطتين أساسيتين كان لهما الأثر الأكبر في تزايد معاناة الناس، وتفاقم الأوضاع المعيشية، وانهيار الاقتصاد الوطني.

 

النقطة الأولى: هجرة رأس المال الوطني

 

ضيّقت سلطات أطراف الصراع الخناق على كثير من التجار والمستثمرين، من خلال الإجراءات التي اتخذها الطرفان، وتحويل الاقتصاد الوطني إلى وسيلة صراع إضافية بينهما. وكان من نتائج ذلك انقسام العملة اليمنية، وتعدد مصادر الجبايات والإيرادات التي فرضها كلا الطرفين على الصادرات والواردات والشحنات التجارية الواصلة إلى اليمن، فأصبح التاجر والمستثمر يفقدان كثيراً من مصالحهما وأرباحهما، بل أعلن عدد كبير من التجار إفلاسهم نتيجة تلك الممارسات، ونتيجة غياب الأمن والاستقرار، وغياب دور المؤسسات الحكومية المختصة في تطبيق القانون.

 

لقد أغلقت الكثير من الشركات والمؤسسات التجارية أبوابها، وقام عدد كبير من التجار والمستثمرين بتصفية أعمالهم داخل اليمن، ونقلوا أموالهم واستثماراتهم إلى دول عربية وإفريقية وآسيوية، وأصبح المناخ التجاري والاستثماري في اليمن غير صالح وغير آمن في ظل استمرار الحرب والصراع. وقد تسبب ذلك في إغلاق الكثير من مصادر الدخل وفرص العمل أمام المواطنين، فأصبح كثير من أرباب الأسر اليمنية بلا عمل ولا مصدر دخل. كما عمدت العديد من الشركات والبيوت التجارية إلى تقليص كوادرها الوظيفية، والاستغناء عن أعداد كبيرة من الموظفين بسبب ركود الأسواق، وتراجع القدرة الشرائية لدى معظم المواطنين، إضافة إلى تخفيض الأجور والمرتبات في عدد من الشركات والمصانع والمؤسسات التجارية التي لا تزال تعمل داخل الأراضي اليمنية.

 

النقطة الثانية: اتساع رقعة البطالة وتوسع دائرة الفقر داخل المجتمع اليمني

 

وربما كانت هذه النتيجة طبيعية لما أشرنا إليه في النقطة الأولى، إضافة إلى تعطيل الكثير من المؤسسات والمصالح الحكومية والخاصة، التي كانت تسهم بشكل كبير في توفير احتياجات المواطنين وتأمين مصادر دخلهم. وكان ذلك كله نتيجة الحرب وتحويل معاناة الناس إلى وسيلة للمتاجرة والابتزاز من قبل طرفي الصراع.

 

ولا ننسى أيضاً توقف أعمال وأنشطة الكثير من المنظمات والمؤسسات الإغاثية والإنسانية داخل الأراضي اليمنية، بسبب سياسات التعامل مع هذه الجهات من قبل طرفي الأزمة، وحجم القيود والضغوط التي فُرضت على العمل الخيري والإنساني والإغاثي في مناطق سيطرة الطرفين.

 

الخلاصة:

لقد أوشكت الكثير من الأسر اليمنية على الدخول في مرحلة الجوع، وظهرت خلال السنوات الماضية حالات عديدة كشفت عنها وسائل التواصل الاجتماعي، لأرباب وربات أسر يبحثون عن بقايا الطعام في حاويات القمامة، في ظاهرة تُعد من أخطر الظواهر التي تهدد حياة المجتمع اليمني ومستقبله، وتمس إنسانيته وكرامته.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس