هذا ما فعلته بنا الحرب (3)

الخميس 30 يوليو 2026 - الساعة 10:15 مساءً

 

استتباعًا للحلقتين الماضيتين حول النتائج السلبية والآثار المدمرة للحرب والصراع السياسي بين الأطراف اليمنية، والتغيرات الاجتماعية التي تراكمت خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية، والتي تُعد من أبرز المخاطر التي تهدد مستقبل اليمن وأبنائه ما لم يتم التصدي لها ومعالجتها بمسؤولية واقتدار.

 

وفي هذه الحلقة، سنتناول قضيتين أساسيتين تُعدان من أبرز المشكلات الاجتماعية التي طفت على السطح بسبب الحرب واستمرار الصراع على الساحة الوطنية؛ إذ تغيرت قواعد الصراع بين المكونات السياسية اليمنية، واتخذت أشكالًا خطيرة، منها الطائفية ومنها المناطقية، وهو ما يجعل مصير النسيج الاجتماعي اليمني ووحدته على المحك.

 

لقد بدأ الصراع بين اليمنيين سياسيًا، لكنه مع استمراره، وبفعل اتساع دائرة الحرب والتدخلات الإقليمية، أخذ بُعدًا طائفيًا خطيرًا، وأصبحت كثير من القيادات اليمنية تتخندق خلف هذه القضية التي تتحكم في كثير من القرارات والتوجهات داخل مكونات طرفي الصراع في اليمن. كما أصبحت وسائل التحشيد الطائفي من أهم أدوات استمرار الصراع والاقتتال في وطننا الحبيب، حتى إن البعض بات يعمل على تدمير وإلغاء مبررات ووسائل التعايش والشراكة، ويرفض مبدأ القبول بالآخر.

 

والملاحظ خلال السنوات الماضية أن كلا الطرفين أصبح يؤسس لمشهد سياسي يمني جديد يقوم على هذا الأساس الطائفي المقيت، وذلك من خلال الخطابات ووسائل التعبئة والتوجيه والإرشاد، وتغيير بعض المقررات الدراسية، ومحاولة تغيير الوعي الاجتماعي اليمني وإعادة تشكيله وفق منهجية الصراع الطائفي، إضافة إلى قرارات التعيينات واختيار القيادات المدنية والعسكرية داخل سلطات ومؤسسات الطرفين، دون إدراك لمآلات تلك الخطوات على مستقبل ووحدة النسيج الاجتماعي اليمني، الذي لم يشهد مثل هذه الانقسامات منذ قرون.

 

إننا في اليمن الحبيب نقف اليوم أمام مؤشرات تنذر بتكرار النموذجين اللبناني والعراقي، اللذين كنا نخشاهما ونحذر منهما منذ عام 2011م، كون هذين النموذجين أنتجا دولًا هشة ومجتمعات ممزقة ومتناحرة، وولدا الكثير من الأزمات والصعوبات التي أعاقت عملية بناء الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، وتسببت في خلق فجوات عميقة داخل تلك المجتمعات، أضعفت قدراتها وعرقلت تقدمها وتطورها.

 

وفي المشكلة الثانية، التي لا تقل خطورة عن الأولى، برزت الدعوات المناطقية المقيتة على حساب المشروع الوطني الجامع، وأصبحت كثير من الأصوات السياسية والإعلامية والثقافية تتبنى خطاب البعد المناطقي والجغرافي، وتعمل على دعم هذا التوجه والتحشيد له، بهدف خلق صراع مجتمعي يسعى إلى تقسيم المقسم وتفتيت المفتت. ولا شك أن بعض التدخلات الإقليمية والدولية ساعدت في توسيع دائرة المشكلة المناطقية، وتركت لبعض الأطراف مساحة واسعة وأوراقًا لإدارة هذه الأزمة وتوسيع نطاقها. وكان من نتائج تلك اللعبة القذرة بث الأحقاد والكراهية بين المواطنين، وتحريضهم بعضهم ضد بعض، وخلق الكثير من القضايا والأزمات، كان من بينها جرائم قتل واختطاف وتعذيب تحت مبررات المناطقية والجهوية.

 

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التدخلات الإقليمية والدولية في الملف اليمني، وطريقة إدارة الأزمة اليمنية من قبل المبعوثين الدوليين إلى اليمن، منذ أول مبعوث وحتى اليوم، قد أسهمت جميعها في توسيع نطاق الأزمة اليمنية، وأفرزت أزمات وملفات وقضايا جديدة. ومع كل خطوة كانت تخطوها تلك التدخلات، كان اليمنيون يفقدون جزءًا من قرارهم الوطني، وتُصادر إرادتهم. ومع مرور السنوات، اتسعت الفجوة، وأصبحت القضية قضايا، والأزمة أزمات، والملف ملفات، وطالت سنوات الحرب، وتضاعفت معاناة المواطنين، وأصبح النسيج الاجتماعي اليمني يفقد عوامل وحدته، وتتراخى عرى تماسكه يومًا بعد يوم.

 

الخلاصة:

 

إن اليمن اليوم يفقد هويته ومشروعه الوطني الكبير، ويتراجع عن مواكبة مسيرة التطور والتقدم المدني والحداثي والعلمي والاقتصادي، ليصبح ساحة مفتوحة للمشاريع الصغيرة التي تمولها الأطراف الإقليمية والدولية على حساب مستقبل اليمن واليمنيين.

 

#يتبع

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس