أنينُ البيوتِ المظلمة..

الثلاثاء 28 يوليو 2026 - الساعة 10:47 مساءً

 

بين فينة وأخرى، تضج وسائل التواصل بالحديث عن الجوع في اليمن؛ فنان يخرج صارخاً: "أنا جاوع "، وجندي فقد ثقته بالسلطات ومزق ثيابه ليقول العبارة ذاتها، وصور لامرأة تخرج ليلاً لتبحث في أكياس القمامة عما تسد به رمق صغارها، ونساء كثيرات يقفن في طوابير طويلة ليحصلن على ما قد يجود به بعض أهل الخير.

 

​هذا الجوع الذي يخرج للناس والإعلام والصور، تقبع خلفه الكثير من أبواب المنازل المتعففة ذات الأمعاء الفارغة. ومع جوع يخط نحول الأجساد، هناك شيء ما يمحو كرامة الإنسان، ... والبطون الجائعة تتكاثر يوماً بعد آخر؛ ليصبح هذا الجوع شعباً لوطن يتآكل بقدر الجوع ذاته.

 

​أتذكر أنني كنت جائعاً ذات يوم، وأنني تقاسمت الجوع مراراً مع رفيق دربي غمدان اليوسفي أيام كنا في سنواتنا الجامعية.. كنا نبتسم ونحن نحرّف كلمات الأغاني ونستبدلها بكلمات عن الخبز والجوع، لكننا لم نكن نشعر باليأس أو بأن جوعنا سيستمر طويلاً كما نراه اليوم في وجوه الناس وصرخاتهم؛ كنا نثق بيوم سيأتي تكون لنا فيه موائدنا الخاصة، وكنا نعتبر الجوع أزمة طارئة، ليس كما هو الآن إذ أصبح ظلاً ثقيلاً يرافق الناس في حياتهم، ويخوضون معه كل يوم معركة من أجل الستر وحفظ ماء الوجه .. وهي معركة لا ينتصر فيها الفقراء أبداً. 

 

حينما سرد الكاتب المغربي "محمد شكري" سيرته الذاتية، كان الجوع هو المحرك الأساسي لشخصيته منذ طفولته في الريف المغربي؛ تحدث كيف أن الجوع هو الذي يدفع الإنسان للتشرد، ويسرق براءة الطفولة، ويجبر الناس على العيش في الهامش وفي قاع المجتمع لمجرد الحصول على "الخبز الحافي".. وفي اليمن، كم من جائع لم يسرد سيرة جوعه الذاتية؟ كم من أسرة تجوع في البيوت المظلمة؟ كم من طفل لا يفهم لماذا ينام دون عشاء؟ ومع ذلك نجد أن هناك من يسخر من الجوع الذي تسبب به، ومن الفقر الذي منحه للناس كي يحكم هو وسلالته، وآخر يبشر الناس بزيادة حصص الفاصوليا للجمعية الخيرية التي ترأسها ابنته؛ وجميعهم يتناسون أن الجوع ليس مجرد غياب للطعام، بل هو وسيلة لسحق كرامة شعب كامل، ينهش الأرواح قبل البطون.

 

​الجوع في اليمن هو اختبار حقيقي لإنسانيتنا جميعا؛ هو قضية ضمير وإحساس بالمسؤولية. كم من رجل اضطر إلى طرق أبواب الناس طلباً للمساعدة بعد أن كان يمد يد العون لغيره؟ وكم من أسرة باعت مقتنياتها القليلة لتؤمن الطعام ولو لأيام معدودة؟ هل تعرفون معنى أن ينكسر الإنسان من داخله؟ هكذا شعرت وأنا أقرأ رسالة زميل صحفي وهو يقول: "أرى نفسي عدماً وعالة على نفسي وعلى مجتمعي، غير قادر على توفير احتياجاتي اليومية من الماء والطعام لي ولأطفالي.. أُسحق يومياً وأنا أرى زوجتي وهي تتوسل أصدقائي الميسورين أو مسؤولاً معيناً لإسعافنا بمبلغ بسيط لتوفير بعض الطعام والدقيق".

 

​كلنا نعرف الآن أن الجوع لم يعد يطرق أبواب الفقراء وحدهم، فقد تمدد حتى وصل إلى الطبقة التي كانت تعيش مستورة الحال، مكتفية بالقناعة والقليل.. موظفون كانوا يعيشون حياة بسيطة كريمة، أصبحوا اليوم يحسبون قيمة كيس الخبز، وقطمة الأرز، والأكياس الصغيرة التي يوضع داخلها زيت الطعام. هناك من كان يكفيه راتبه القليل شهراً كاملاً فيما لم يعد الآن يكفيه لأيام معدودة، وهناك من فقد راتبه كلياً منذ أكثر من عشر سنوات، وهناك من لا يعرف معنى الراتب أصلاً.. لكنهم الآن أضحوا في الجوع سواء.

 

​بحسب تقارير المنظمات الدولية، بات ثلثا سكان اليمن يعانون من الجوع، وثلثهم وصل إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، والحديث عن الأرقام المهولة للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية مخيف.. لكن الجوع ليس مجرد أرقام وإحصائيات؛ فما أخشاه هو أن نمر كل يوم على صوت جائع ولا نسمعه، وصورة لأسرة فقدت حقها في الطعام ولا نراها، وطفل يئن من سوء التغذية ولا يجد من ينجده؛ فالناس لا يجوعون في الإحصاءات والأرقام بقدر ما يجوعون في البيوت المظلمة، ومخيمات النزوح، والقرى البعيدة التي لا تُمد إليها يد، وفي المدن التي أثقلتها الأزمات والحصار والتجاهل.

 

​في اليمن، تكتسب كلمة (الجوع) أبعاداً إنسانية تفوق الوصف التعبيري؛ فلا يُترجم بأنه مجرد فقدان للوزن، بل هو قلق دائم، وشعور بالعجز يطارد الآباء والأمهات العاجزين عن إطعام أبنائهم. تتفكك بعض الأسر، ويترك الأطفال مدارسهم للبحث عن فرصة عمل أو للتسول في الشوارع، وتتزايد حالات زواج الصغيرات كحلٍّ لأسر يائسة ومنهكة. فما يحتاجه اليمنيون اليوم أكثر من مجرد تعاطف عابر، أو مناشدات متقطعة، أو سلال غذائية للتصوير.

 

​اليمن يحتاج إلى ضمير إنساني يستيقظ لينقذ ما تبقى من رمق في خريطة أجساد الناس الناتئة، ويعيد للإنسان اليمني كرامته وحقه البسيط في الحياة والأمان.. واللقمة المغموسة بالسلام.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس