هذا ما فعلته بنا الحرب (2)

الاحد 26 يوليو 2026 - الساعة 10:21 مساءً

 

تحدثتُ في مقال سابق، نُشر على موقع صحيفة النداء التي يديرها الزميل القدير سامي غالب قبل عدة أيام، عن النتائج والآثار السلبية التي تسببت بها الحرب داخل المجتمع اليمني، وربطتُ ذلك بتغير المزاج العام لأفراد المجتمع، وخلق حالة كبيرة من الصراع النفسي والذهني داخل شخصية الإنسان اليمني المتضرر من الحرب واستمرار الصراع، وكيف أصبح المواطن يستفز من أبسط وجهة نظر تخالف ما يؤمن به ويعتقده، إلى درجة الوصول إلى العدوانية والمبالغة في الخصومات وردود الفعل.

 

وفي هذه المادة، التي تأتي استكمالًا لموضوع "هذا ما فعلته بنا الحرب"، سأتناول واحدة من أخطر النتائج السلبية التي أصابت المجتمع اليمني بسبب استمرار الحرب والصراع في وطننا الحبيب، والمتمثلة في انهيار جزء كبير من المنظومة الأخلاقية والقيمية داخل بنية المجتمع اليمني.

 

لقد طالت سنوات الحرب والصراع السياسي على السلطة في اليمن، وأزهقت أرواح الكثير من الناس، وتسببت في دمار واسع للممتلكات العامة والخاصة، وشردت آلاف الأسر من مساكنها، وأوقفت مصادر الدخل لدى الغالبية العظمى من أبناء اليمن، واتسعت رقعة الفقر والبطالة في مختلف محافظات البلاد شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، حتى أصبحت اليمن، بالنسبة لكثير من الناس، أشبه بسجن كبير مغلق.

 

وفي ظل استمرار الحرب وتزايد معاناة المواطنين، وإلى جانب جرائم القتل والاختطاف والتعذيب داخل السجون السرية، وتنامي الدعوات المناطقية والطائفية والنزعات القبلية، برزت العديد من الجرائم والأعمال اللاأخلاقية في أوساط المجتمع، وظهرت قضايا ومشكلات اجتماعية بالغة الخطورة، لم تكن مطلقًا ضمن قائمة الظواهر الاجتماعية المعروفة، ومن أبرزها الابتزاز الإلكتروني الذي تكرر خلال السنوات الأخيرة، وكان من أسوأ صوره قيام بعض الأفراد بنشر صور لزوجاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف الابتزاز والضغط. وهي، في الأصل، نتاج مشكلات وخلافات أسرية، لكنها أخذت مسارات منحرفة وغير إنسانية، وتسببت في تدمير العلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية.

 

كما كشفت الوقائع عن العديد من جرائم اغتصاب فتيات لا يزلن في سن الطفولة، وكذلك اغتصاب الأطفال، وهي جرائم باتت تتكرر بصورة مخيفة، ناهيك عن قضايا تسريب المقاطع المصورة التي تسيء إلى الأشخاص وتسهم في التحريض عليهم وتشويه سمعتهم، فضلًا عن جرائم السرقة التي يتفنن أصحابها في تنفيذها والإيقاع بضحاياها، بطرق قد يعجز المرء عن تصورها.

 

ولا ننسى أيضًا الآثار السلبية لهذه الحرب، التي دفعت ثمنها الكثير من الأسر اليمنية، سواء عبر الخلافات الزوجية والانفصال بين الزوجين، أو بضياع مستقبل الأبناء، وعدم القدرة على إعالتهم وتوفير احتياجاتهم من الغذاء والتعليم والصحة وغيرها. وكان ذلك من أبرز الأسباب التي أسهمت في تعرض الأطفال والفتيات للتحرش والاغتصاب، وإلحاق الأذى بهم وبمستقبلهم.

 

لقد دفعت الأسرة اليمنية، ومعظم أفراد المجتمع، ثمنًا باهظًا لهذه الحرب المدمرة، وبطرق مختلفة وخسائر متفاوتة. ولم تعد جرائم القتل والاغتيال والاختطاف والتعذيب والاغتصاب والسرقة وانتهاك الأعراض والحرمات والخصوصيات، والتنصت على المكالمات الهاتفية، والاستيلاء على حقوق الآخرين وممتلكاتهم، وغيرها من الجرائم اللاأخلاقية، بعيدة عن عدسات التصوير، بل أصبحت توثق بوسائل وأساليب حديثة، ثم تُسرَّب وتُتداول على نطاق واسع من قبل ناشطين بمختلف توجهاتهم، حتى بدا الأمر اعتياديًا بالنسبة لكثير من المراهقين والشباب.

 

الخلاصة: إننا في هذا البلد نسير في طريق الانهيار والسقوط على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والحقوقية والأخلاقية. وقد أسهم الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التطور التقني والتكنولوجي، في تسارع وتيرة هذا الانحدار، في ظل غياب الدولة واستمرار الصراع بين الأطراف والنخب السياسية اليمنية. ولا ندري إلى أين سنصل إذا استمر هذا الواقع.

#يتبع

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس