بين رصانة الحكمة وإشراقة التاريخ: الدكتورة أفراح الزوبة و"دبلوماسية التنمية"
الاحد 26 يوليو 2026 - الساعة 12:42 صباحاً
حين تمتد يد التاريخ لتكتب فصلاً جديداً لليمن، فإنها لا تبتكر غريبا، بل تستدعي إرثا بلقيسيا تليداً نام في ضمير التراب طويلا ثم استيقظ . إن قرار تعيين الدكتورة أفراح عبد العزيز الزوبة وزيرا للخارجية وشؤون المغتربين، كأول امرأة تقود الدبلوماسية اليمنية , ليس مجرد إنصاف دستوري للمرأة، بل هو ضرورة وطنية ملحة، ورؤية حكيمة واكبت متطلبات الواقع المعقد، وصاغتها نظرة فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي الاستشرافية لتقديم وجوه كفوءة قادرة على محاكاة المتغيرات الدولية . ولم تكن السياسة يوما حكرا على عتبات المكاتب المغلقة، بل هي امتداد للقدرة على التخطيط، وبناء السلام، ونسج خيوط التنمية، وهو الميدان الذي خبرت الدكتورة الزوبة تفاصيله لأكثر من ربع قرن من العمل العام والقيادي .
أما أولئك الذين أثاروا "زوبعة" التشكيك على منصات التواصل، متعللين بحساسية الظرف الراهن، أو مستندين بتهكم غريب على خلفيتها الأكاديمية الأولى في العلوم الطبية , فإنهم يقعون في فخ الذاكرة الانتقائية المثقوبة، ويغفلون أن الأزمات الاستثنائية تحتاج عقولا استثنائية خارج القوالب النمطية.
لقد تناسى هؤلاء، أو تظاهروا بالنسيان، أن التاريخ السياسي الحديث لليمن مليء بنماذج ملهمة لرجال دولة أتوا من تخصصات علمية وإنسانية شتى وقادوا الدبلوماسية باقتدار لافت، والتاريخ القريب يذكر بوضوح أن الدكتور أبو بكر القربي، الذي أدار الخارجية لسنوات طويلة، كان في الأصل طبيباً قادماً من خلفية مخبرية وبحثية بحتة .
وبالمثل، تعاقب على الوزارة متميزون ومثقفون ومفكرون من خلفيات حقوقية وسياسية وأدبية مختلفة، ترك كل منهم بصمته الفريدة، مما يثبت بالدليل القاطع أن الكفاءة القيادية، وحس الدولة، وحنكة الإدارة، هي المعيار الحقيقي للنجاح وليست التخصصات الجامعية الأولى .
إن التمسك بنوع الشهادة الجامعية كمأخذ ينم عن قصور في فهم طبيعة العمل الدبلوماسي المعاصر ، فالإدارة السياسية اليوم هي مهارة تفاوض واستراتيجية بناء تحالفات.
وإذا كان الدارس للعلوم الطبية متميزاً بدقته وقدرته على تركيب العناصر الحساسة وحساب المقادير لتفادي الأخطار، وهي تماما حاجة الدبلوماسية اليمنية اليوم، فإن الدكتورة أفراح الزوبة لم تأتِ إلى مبنى الخارجية من أروقة المختبرات أو العيادات، بل جاءت مسنودة بمسيرة تنموية وسياسية صلبة، فهي تحمل شهادتي ماجستير في إدارة الأعمال وفي صحة المجتمع والاقتصاد الصحي , وتدرجت في مواقع القيادة كوزيرة للتخطيط والتعاون الدولي , ونائب أول للأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني الشامل , وعضو لجنة صياغة الدستور , ناهيك عن رئاستها للجهاز التنفيذي لتسريع استيعاب تعهدات المانحين. هذا المزيج الفريد منحها قدرة استثنائية على فهم لغة المنظمات الدولية ومخاطبة العالم باللغة التي يفهمها، لغة الأرقام، والمشاريع، والحلول المستدامة.
لقد دخل العالم اليوم عصر "دبلوماسية التنمية"، حيث لم تعد السفارات مجرد مقار للتمثيل البروتوكولي، بل تحولت إلى مراكز لجذب الدعم، وإدارة الشراكات الاقتصادية، وبناء السلام وسط بيئات النزاع الهشة . ومن هنا، فإن الرهان على "أفراح اليمن" هو رهان على عقلية حيوية مرنة قادرة على تفكيك الأزمات. إن المرأة اليمنية التي حمت البيوت والاطفال وصنعت الحياة وسط الركام، هي الأجدر اليوم بحمل رسالة الوطن إلى العالم بقلب نقي وعقل متقد.
دعونا لا نلتفت لأصوات الإحباط، بل لنلتف خلف هذا القرار التاريخي، واثقين بأن مهندسة التنمية ستحقق بحكمتها وخبرتها التراكمية ما عجزت عنه الأنماط التقليدية، لتعيد لليمن مكانته اللائقة في المحافل الدولية .
▪︎ موسكو














