فدغم الحزمي.. ابن صحراء الجوف
الاربعاء 01 يوليو 2026 - الساعة 11:50 مساءً
في أقصى امتداد صحراء الجوف، حيث يتعانق الأفق مع الرمال، وحيث لا يعلو على صوت الريح إلا صوت الرجال، يقف الشيخ فدغم الحزمي كواحدٍ من أولئك الذين لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المواقف النادرة والإنسانية. هناك، في الريان، أرض صحراء بطحاء رملية، ليست تجمعاً قبلياً فحسب، بل كانت لوحة يمنية خالصة، رسمتها الرمال، وزينتها الرجال بشواربها وأسلحتها، ووشحتها الكرامة.
الجوف ليست مجرد محافظة، بل صفحة عتيقة من تاريخ اليمن، وموطنٌ أنجب رجالاً إذا تكلموا أصغت إليهم القبائل، وإذا دعوا لبّت الأفئدة قبل الأقدام. ومن هذه الأرض خرج فدغم الحزمي، يحمل من الصحراء صلابتها، ومن البادية فصاحتها، ومن الموروث القبلي هيبته، حتى غدا اسمه يتردد في المجالس كما تتردد أسماء الرجال الذين يسبق ذكرهم حضورهم.
وحين يصل كبار القوم والساسة إلى مضارب الريان، لا يجدون قصوراً شاهقة ولا مجالس مذهبة، وإنما يجدون بساطاً من تراب الوطن، وسقفاً من السماء، وقلوباً لا تعرف إلا الكرم، ورجالاً يرون في الجلوس على الرمال عزاً لا يدانيه عرش، وفي مصافحة الرجال وساماً لا تمنحه الممالك.
ولعل أكثر ما يلفت في شخصية الشيخ فدغم، أنه إذا تحدث، ظن السامع أنه يستمع إلى خطيب من فصحاء العرب في أسواق عكاظ، أو إلى شاعر من أصحاب المعلقات، أو إلى أحد بلغاء العصر العباسي الذين كانت كلماتهم تُوزن بالذهب. تخرج عباراته جزلة، قوية، صافية، تحمل روح البادية، وتفوح منها رائحة التاريخ، فلا تكلف فيها ولا تصنع، بل فطرة عربية أصيلة، صقلتها المجالس، وهذبتها المواقف.
وحين أطلق نداءه، لم يكن مجرد صوت يرتفع في الفضاء، بل كان نداء كرامة. وما إن دوّى حتى جاءت القبائل من كل حدب وصوب، تردد: "لبيك... لبيك." وكأن الرمال نفسها كانت تردد الصدى، وكأن الجوف كلها نهضت لتجيب الدعوة. فلم يتخلف صاحب نخوة، ولم يتردد صاحب مروءة، لأن النداء لم يكن لشخص، بل لقيمة يعرفها اليمنيون جيداً، اسمها الكرامة.
ويتساءل كثيرون: لماذا اختار الريان؟ ولماذا جعل من قلب الصحراء منبراً لهذا الموقف؟
ولعل الجواب أن الرجال الكبار يدركون أن الأرض ليست مجرد مكان، بل رسالة. والريان ليست بقعة من الرمل فحسب، وإنما رمز للصمود، وشاهد على أن الكرامة لا تحتاج إلى قصور حتى تعلن نفسها، ولا إلى منصات مزخرفة حتى تبلغ رسالتها. فالرمال التي مشت عليها أقدام الأجداد ما زالت تحفظ آثارهم، والفضاء المفتوح أصدق من القاعات المغلقة حين يتعلق الأمر بمواقف الرجال.
لقد أثبت فدغم الحزمي أن الزعامة الحقيقية لا تُمنح بقرار، ولا تُشترى بمال، وإنما تُكتسب بثقة الناس، وبالقدرة على جمع الكلمة، وإحياء قيم الشهامة والوفاء. فحين يتحدث، يصغي الناس، وحين يدعو، يلبّي الرجال، لأنهم يعرفون أن خلف الكلمات تاريخاً، وخلف الصوت مواقف، وخلف الاسم رجلاً اختار أن يبقى وفياً لأرضه وقبيلته ووطنه.
وهكذا تبقى الجوف، بصحرائها الممتدة، تنجب رجالاً يشبهونها في الاتساع، ويشبهون جبالها في الثبات، ويشبهون رمالها في الصبر. ويبقى فدغم الحزمي واحداً من تلك الأسماء التي لا تُقرأ كسيرة رجل فحسب، بل كحكاية أرض، وقصة قبيلة، وصوت كرامة ما زال يتردد صداه بين كثبان الريان، ليؤكد أن اليمن، مهما اشتدت عليه المحن، لا يزال ينجب رجالاً إذا قالوا صدقوا، وإذا دعوا أجابهم الرجال.













