عن الذين صنعوا الفجر والذين ادعوا ملكيته: تعز نموذجاً..

الاحد 19 ابريل 2026 - الساعة 10:49 مساءً

 

 من يتبجّح بالطلقة الأولى اليوم، هو ذاته من اغتال صاحبها بدمٍ بارد، ومن يحترف الترويج للبطولات المزيفة، ينسى أو يتناسى أن أول صوتٍ انبرى في وجه المليشيات الكهنوتية كان صوتاً صادقاً مجرداً، قبل أن تسرقه الأيادي العابثة والمشاريع الضيقة. إنهم الرموز الذين نحتوا بوعيهم معالم المواجهة: الصديق النبيل احمد سعيد الوافي، والعزيز عبدالستارسيف الشميري  والصادق الوفي وليد الحميري ، والشهيد البطل محمد القدسي؛ تلك الأصوات وغيرها من القامات المدنية التي أطلقت شرارة الرفض، صاروا اليوم مطرودين ومشرّدين من مدينتهم التي افتدوها، فيما يتقاسم "الطارئون" ما تبقى من الحكاية، مستأثرين ببطولاتٍ هلامية وتاريخٍ مخترع.

 

حتى البندقية الأولى، تلك التي واجهت صلف الحوثي من داخل عرين اللواء 35 مدرع بقيادة العقيد علي النقيب، لم تسلم من أيادي العبث؛ فقد طالها النهبُ كما نُهبت المعاني السامية، وكما استُبيحت التضحيات الجسيمة، لتستقر في قبضة من اعتادوا الاقتيات على "الفيد" وتجارة الحروب.

 

ففي اللحظة التي انسحب فيها الضباط المقاتلون من قيادة اللواء بعد ملحمةٍ ضارية غير متكافئة استمرت قرابة 24 يوماً من الصمود الأسطوري، خرجوا وهم يحملون ما تبقى من كرامة البندقية وعنفوان الوطن، لكن الغدر كان لهم بالمرصاد؛ إذ لم يكن الخطر يتربص بهم من الخلف فحسب، بل كان ينتظرهم في الطريق قياداتٌ مجردة من الشرف، تربصت بهم مع مجاميعها لتنهب بنادقهم بالقوة، في مشهدٍ يندى له جبين العسكرية، ولا يمت بصلة لأخلاق المقاتلين أو شرف الميدان.

 

إن الطلقة الأولى في جوهرها الوجودي هي "فكرة"؛ فكرة استرداد الدولة من براثن الإمامة، ومن البديهي أن يظل صاحب هذه الفكرة في صدارة قوائم الاستهداف، كونه غدا الرمز الوطني الأول والحامل الأمين للمشروع الجمهوري.

 

لكن المنافي للمنطق، والموغل في الغدر، هو أن يأتي الاغتيال من "الداخل"، كما حدث لكثير من قيادات تعز الذين غُدر بهم واغتُيلوا، أو طُردوا وشُرّدوا من مدينتهم على يد من نصبوا أنفسهم زيفاً "رفقاء سلاح".

 

والحقيقة التاريخية الراسخة التي لا يقبل التزييف، هي أن الطلقة الأولى قد أعلنها اللواء 35 مدرع بقيادة الشهيد القائد العميد عدنان الحمادي، والعقيد محمد العوني، وقد آزَرَ هذا الفعل العسكري حراكٌ مدنيٌّ جسور، ساند فيه أبناء تعز قرار اللواء وانخرطوا في مواجهةٍ لم تكن أدوارها أقل خطورة ولا أثراً من أزيز الرصاص.

 

بيد أن المنحنى العام اليوم، بما يضخه من كتابات وصور وفيديوهات انتقائية، يحاول باستماتة إقناع المتابع بأن مواجهة المد الحوثي في تعز كانت حكراً على فصيلٍ بعينه، أو وقفاً على من يتصدرون الشاشات الآن. وهذه "الصورة المشوهة" تخفي خلفها حقائق مريرة، وتناقض في جوهرها تلك الفكرة الوطنية الجامعة التي قامت عليها المقاومة في أيامها الأولى.

 

وفي ثنايا هذه الحكاية، تشرق أسماءٌ لم تمنحها الذاكرة الرسمية حقها، في محاولةٍ تبدو متعمدة لتغييب بصماتها؛ كالبطلة عائدة العبسي، التي لم تكن تحمل بندقية، لكنها كانت تخوض غمار الموت وهي تخترق خطوط النار لنقل المصابين من اللواء 35 مدرع إلى المستشفى الجمهوري. ولا يمكن للتاريخ أن يغفل دورها الاستثنائي حين جازفت بنقل قطع السلاح الحساسة من المخا إلى تعز وسط تضييقٍ حوثي خانق، في مخاطرةٍ يومية كان الموت فيها يترصد عند كل نقطة تفتيش، تماماً كما استُهدف الشهيد البطل عبد الحليم الأصبحي، الذي كان يمثل شريان الحياة ومدد الثبات للمقاتلين داخل اللواء.

 

وكذلك الشهيدة رهام البدر، تلك الأيقونة الصلبة التي صاغت دورها بوعي وطنيٍ سابق لسنها، فكانت تلملم جراح المقاتلين وتوفر الدواء، وتحمل عبء المقاومة في ظروفٍ كان فيها الموت قاب قوسين أو أدنى، حتى ارتقت شهيدةً وهي تؤدي واجبها في إيصال الزاد للمرابطين في الثغور.

 

وبين هاتين البطلتين، تقف مئات النساء اللواتي حوّلن البيوت إلى قلاع إمداد، والمطابخ إلى خطوط دعم حيوية، فكنّ جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من ملحمة الدفاع الكبرى.

 

وإذا ما استقرأنا النتائج الميدانية، نجد أن البطولة الحقة وُلدت في المناطق التي حررها أبناؤها بصدورهم العارية وجهودهم الذاتية، كما حدث في مديريات "صبر" الثلاث التي خاضت أشرس المعارك ومهدت الطريق لفك الحصار عبر "خط الضباب"، وصولاً إلى تطهير الجبهة الشرقية وقلعة القاهرة والجامعة ونادي الصقر والمطار القديم، في تحولاتٍ كانت هي الحجر الزاوية في مسار المواجهة.

 

وفي ذات الوقت، كان اللواء 35 مدرع -بالتزامن مع إعادة تشكيله- يسطّر ملاحمه في جبهات تعز الريفية؛ من المسراخ إلى الراهش والأقروض، حيث كان "مدفعاً جمهورياً" لا يهدأ، وصولاً إلى سامع والصلو وقدس، حيث اشتعل البارود الوطني ليحرق أوهام الكهنوت. ومن الصلو إلى الأحكوم والأكاحلة وبني شيبة، كُتبت على سفوح الجبال أبجديات الثبات، ورُسمت بدماء الرجال حدود كرامةٍ لا تنكسر، وصولاً إلى جبال الضعيف وراسن والكدحة، حيث كانت الإرادة تجسد معنى الشموخ تحت قيادةٍ جمهوريةٍ خالصة.

 

إن مصدر هذه البطولات هو "قدسية الفكرة" التي غرسها العميد عدنان الحمادي؛ بوصفها "بندقية وطنية" تعبر عن أنقى تجليات الجمهورية ومخرجاتها. 

 

غير أن الفاجعة كانت في انحراف المسار والانقلاب على الأهداف السامية، لدرجة أصبح معها الخطر الأكبر على تعز ليس في الميدان أمام الحوثي، بل في "القرار الآثم" الذي استهدف تصفية رمزٍ بحجم الحمادي، وفي تحويل فوهات البنادق نحو المدينة القديمة والحجرية وعدن والمخا، بدلاً من إبقائها مصوبة نحو العدو الحقيقي.

 

إن هذا العبث والفوضى يكشفان عن خطرٍ خفيٍّ تشكّل في ثنايا تلك المرحلة، لا يقل جُرماً عن العدو الظاهر؛ عدوٌ حرف بوصلة المقاومة وباع تضحياتها، حتى صاروا في فعلهم عدواناً على الجمهورية لا يقل عن عدوان خصومها.

 

ومما يدمي القلب أن مرتكبي تلك الجرائم والانتهاكات لا يزالون يتفيؤون بعباءة الجيش، يحتمون بها من العدالة، بل ويجرؤون على تقديم أنفسهم كـ"بذرة أولى" للمقاومة، في مفارقةٍ صارخة تصفع وجه الحقيقة.

 

وفي ظل هذا التزييف الإعلامي، يُعاد تصدير هؤلاء كقادةٍ ومواجهين، مع تجاهلٍ تام لكونهم لم يلتزموا يوماً بمبادئ المقاومة ولا بأخلاقياتها الوطنية. إن هذا السلوك ليس إلا "خيانةً عظمى" للطلقة الأولى والبندقية الوطنية، فشرف المعركة الحقيقي يكمن في نقائها من دنس المتاجرين بالأوجاع وسرّاق التضحيات.

 

وهنا ينجلي الغبار عن وجه "العدو الحقيقي": إنه ليس من تأخر عن الركب، بل من خان العهد، وليس من عاد إلى حضن الوطن والمقاومة، بل من انقلب وبدّل أولوياته وطعن رفاقه في الظهر.

 

وختاماً، قد يتذرع البعض بأن هذه الهزات تحدث في كل الثورات، لكن هل كانت كل هذه الفظائع والجرائم والمتاجرة بدماء الأبرياء ونهب الحاضنة الشعبية غير كافية لإيقاف هذا العبث؟

 

إنني أكاد أسمع الآن ضجيج الاحتجاج من أولئك الذين لم يعاصروا لحظات التكوين، وهم يصرخون: "لقد هدمت مقدساتنا وزعزعت ثقتنا بالرموز". وردي عليهم بسيط: إنني لم أستهدف أشخاصاً لذواتهم، بل استهدفت "الباطل" أينما حل، ومن يظن أنني أهدم أسطورة المقاومة فهو واهم، فهدفي هو أن يمتلك القارئ "وعياً نقدياً" يبصره بالحقائق.

 

نعم، لا بأس أن تتزلزل الأصنام، فأولى مراحل العقيدة السليمة هي "تحطيم الأوثان"، ولا ضير من جرعة نقدٍ لاذعة في زمنٍ صار فيه سدنة "الوهم" يكتبون التاريخ بمداد الزيف. الحقيقة مُرّة، لكنها الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من شرف الفكرة الأولى.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس