مشروعان متضادان على ضفتي الخليج العربي بانتظار نتائج الحرب
الخميس 09 ابريل 2026 - الساعة 09:57 مساءً
قبل الحرب الامريكية / الإسرائيلية -،الإيرانية الأخيرة ، والتي وسعتها إيران بعدوانها السافر على دول الخليج العربية ، كان الخليج العربي ، بضفتيه العربية والإيرانية ، يشهد نشوء مشروعين متناقضين من حيث طبيعتهما البنيوية ، مخرجاتهما ، أدواتهما أهدافهما وعلاقاتهما الدولية.
الأول على الضفة العربية، وهو مشروع إقتصادي تنموي عصري . يتم في إطار بنية سياسية واجتماعية ، أخذت تغادر نمطها التقليدي ، وتعمل على تفكيكها تدريجيًا بأدوات وبوسائل حديثة علمية وثقافية ليواكب ويستوعب التغيرات الاقتصادية المتسارعة . أسفر ذلك ، وعلى مدى ما يقارب اربعة عقود من الزمن ، عن تغيير يكاد يكون جذريًا لبنية المجتمع.
سخّرت بلدان هذا المشروع المورد الإقتصادي المتاح ( النفط) لإعادة هيكلة الإقتصاد ، وتحويله من إقتصاد أحادي المورد إلى إقتصاد متنوع . ثم أخذ يندمج ، على نحو متسارع، في الإقتصاد العالمي ، يؤثر ويتأثر فيه . فتح فرصًا للاستثمار ، والعمل ، ومجالات التنافس والابتكار في ميادين التجارة ، والنشاط البحري ، وإدارة رأس المال والسياحة والعمران . دخل ميدان الصناعات الحيوية حتى غدا مركزاً لأنشطة اقتصادية وثقافية وعلمية ورياضية عالمية ، وأخذ يندمج في العالم ، ويحافظ على نموذجه الخاص في الربط بين الحداثة والأصالة . ومع المدى ، وبتأثير التطور العلمي وتفكيك الثقافة التقليدية ، أخذت انماط الاستهلاك في هذه المجتمعات تتغير مما كانت قد انغمست فيه من ترف لتجسد التطور النوعي في البنى الثقافية التي راحت تنتج وعيًا حول مفهوم اجتماعي للتنمية . يقوم هذا المفهوم على أن الثروة لا بد أن تتوزع بين المظهر والجوهر ، وأن الجوهر المتمثل في الوعي والمعرفة هو المنتج الحقيقي للتنمية المستدامة بكل ما تستدعيه من إعادة ضخ الثروة إلى شرايين الاقتصاد ، وإعادة بناء نموذج الاستهلاك الترفي ليلبي هذه الحاجة . وبهذا تكون مجتمعات هذا المشروع قد استطاعت أن تعيد هندسة العلاقة بين التطور الاقتصادي والتطور الاجتماعي باعتبار ذلك أهم حلقة في الاستقرار وبناء المعادل السياسي الملائم.
ومما لا بد من قوله هو أن حماية هذا المشروع عسكريًا لم تكن بالقوة الكافية لتوفر له الضمانات المطمئنة للاستمرار بنفس وتيرة القوة والتفوق والثقة التي كان عليها قبل الحرب ، على الرغم من منظومة الدفاع الناجحة التي احتوت وحيَّدت الجانب الأكبر والأكثر خطورة من الهجمات بالصواريخ والمسيرات .
أما على الضفة الأخرى من الخليج فهناك مشروع عسكري ،توسعي ، مؤذٍ وطاردٍ لكل عناصر التطور الاقتصادي والاجتماعي . نشأ بالإعتماد على انقسام اجتماعي ، سلَّحت فيه القلة نفسها واغتصبت السلطة ، وأخذت تمارس بالترهيب وبإفتراق كامل مع الشعب ، وظف موارد البلاد في بناء منظومة من قوى التخريب في البلدان العربية بالاستناد إلى مفهوم أيديولوجي غارق في التخلف بإعادة تعريف الطائفة في هذه البلدان على أنها جزء من منظومته العسكرية والسياسية والثقافية لإحداث فوضى وانقسامات في البلدان العربية التي استطاعت أن تحدث فيها اختراقات اجتماعية وسياسية .
ولأغراضٍ تتعلق بتمكين هذا المشروع التوسعي كان لا بد له من بناء قوة عسكرية استثنائية ، إستهلك بناؤها معظم موارد وثروة البلاد . وأصبحت هذه القوة هي محور النشاط الاقتصادي والتجاري والصناعي ، وأهملت الفروع التي لها علاقة بحياة الشعب .
ومع تزايد الانفاق وتبديد موارد وثروة البلاد على هذا المشروع العسكري شهد المجتمع المزيد من الإفقار . وأخذت أعين قطاعات واسعة من الشعب ، تقارن الوضع البائس الذي أوصلتها إليه سياسات النظام ومشروعها العسكري التوسعي مع جيرانها من الشعوب الخليجية ، وتتطلع بحسرة وأنين إلى فوارق الحياة الاجتماعية والأقتصادية مع شعوب هذه البلدان المجاورة . وتتساءل عن الأسباب ، في حين أن بلدهم غني بالموارد بما يتفوق على كثير من هذه البلدان ، وهو بالإضافة إلى ذلك كان قد شهد تطورًا إقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا ، وأسس قاعدة منذ عقود سبقت الخميني ونظام الملالي الذي اجتاح البلاد عام ١٩٧٩ . وهناك شواهد على ذلك ، فكثير من أسواق المال العالمية الكبرى لا زالت حتى اليوم تزخر بعناوين لبنوك ومراكز بورصات إيرانية عالمية في أرقى الأحياء المالية ، أُغلقت واندثرت كلها في زمن ما بعد ١٩٧٩ ، وصار حالها عنوانًا للتدهور الذي أصاب الاقتصاد والدولة .
لقد أغضبت النظام الايراني هذه المقارنات ، وما رافقها من تورترات اجتماعية ، وأسئلة عن أسباب تبديد ثروات البلاد في مشروع لن يؤدي إلا إلى إبقاء البلاد في حالة حرب دائمة ، لا يمكن لها إن توفر أي فرص للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، أو التطور العلمي والمعرفي على قاعدة التراكم والانتقال من الكم إلى الكيف في ظروف مستقرة .
وبدلًا من أن يحوّل هذا الغضب النظام إلى المسار الذي تتطلع إليه الجماهير ، فإنه أخذ يعمل على تعطيل المشروع الاقتصادي في الضفة الأخرى من الخليج . لقد بدأ ينظر إليه على أنه مُحرِّض عليه ، وعلى سياساته الفاشلة ، بصورة عملية فاق تأثيرها الحملات الإعلامية والأيديولوجية التي أطلقها من جانبه لمقاومة هذا التأثير demonstration effect للمشروع الاقتصادي المتنامي والمستقر في الضفة الأخرى . ومع المدى ، أصبح تعطيل هذا المشروع هو الهدف الأبرز للمشروع العسكري الايراني ونظامه السياسي المغلق .
لذلك ، وجد فرصته في هذه الحرب للقيام بالمهمة التي ظل يفكر فيها طويلًا ، وأعد لها ما يكفي من وسائل التعطيل والدمار .
تدلل الحقائق التي أفرزتها هذه الحرب أن النظام الايراني ومشروعه العسكري التوسعي ، كانت مشكلته الأساسية مع هذا المشروع الاقتصادي لدول الخليج العربية الذي كشف عورته امام جماهيره ، ولم يكن أمامه من خيار سوى أن ينفذ خطته في تخريبه على النحو شاهدناه في هذه الحرب التي استغلتها إيران لتصفية حسابها معه .
إن المحصلة النهائية لما ستسفر عنه هذه الحرب سيقرر مصير كل من المشروع الاقتصادي والمشروع العسكري على ضفتي الخليج العربي ، ولا يمكن لاسرائيل أن تقف محايدة في انتاج المعادلة التي تتفق مع مصالحها ، فهي ضد المشروع العسكري الايراني ، وضد المشروع الاقتصادي العربي اذا لم تتمكن من الهيمنة عليه وتوظيفه لخدمة مصالحها .
أمريكا للاسف مصرة على أن ترى الوضع بعيون اسرائيل . أما بريطانيا فقد أدركت أنها في حاجة إلى تعيد بناء مقاربات سياسية ودفاعية واقتصادية تستعيد بواسطتها دورها التاريخي في منطقة ذات قيمة استراتيجية لها عندما يتعلق الأمر بالفراغ الذي تحاول أن تملأه دول أخرى في هذه المنطقة الهامة من العالم .













