الثورة المنتصرة والمنجز التاريخي المهزوم في اليمن
الجمعه 27 مارس 2026 - الساعة 09:52 مساءً
الإهداء / إلى روح الشهيد الرفيق الثائر، الصحفي عبد الصمد القاضي، الذي اغتيل أمس بسلاح الغدر العابث، في ظل غياب الدولة في تعز.
إن ما بين "الانتصار" و"الهزيمة" في عنوان المقال ليس تناقضًا بقدر ما هو مسافة مأساوية عاشتها الأجيال اليمنية المتعاقبة: جيل رأى العلم يُرفع فوق قصر السلاح فظن أن النصر قد اكتمل، وجيل آخر ورث العلم نفسه لكنه ورث معه الفقر والاستبداد والحرب. فالمنجز التاريخي المهزوم ليس مجرد مراجعة، بل هو دعوة مبطنة لإعادة تعريف النصر الثوري في اليمن.
الثورة – في نجاعة فعلها الثوري ومشروعها الوطني البديل – تتجلَّى دائمًا وأبدًا في قدرة سلطتها على تحويل أحلام من كانوا في الماضي إلى واقع يعيشه الناس في حاضرهم السياسي والاجتماعي المتجدد. ولهذا أقول دائمًا: إن الثورة الحقيقية هي الثورة القادرة على إعفاء الأجيال القادمة من مشقة التفكير في الثورة، ما يعني أن ثورة الخلاص التاريخي تجعل من سلطتها الحاكمة أدوات تغيير، ووسيلة نضال في سبيل تحقيق قطيعة سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية مع أسباب الثورة. وهذا مكمن الفرق بين ثورة هنا وأخرى هناك، أو بين تجربة ثورية تاريخية وأخرى معاكسة لها في المآلات الكارثية، كما هو الفرق بين تجارب الثورات المتعثرة تاريخيًا في مجمل أقطارنا العربية، وبين تجاربها الناجحة في العالم الغربي.
الثورة في التجربة الغربية استطاعت أن تصنع التحولات التاريخية والسياسية نحو التقدم الذي يصنع المستقبل، وأكثر من ذلك، خلقت أجيال ما بعد الثورة بوعي حداثي مدني ديمقراطي لا يساوم في مسألة الحقوق والحريات أو في التنازل عنها. وهذا ما يفسر ارتباط الوجدان السياسي لدى المواطنين الغربيين، فيما يخص مسألة الثورة، بكونها مشروعًا ثوريًا = مشروع تغيير في المقام الأول، أقل ما يُقال عن مخرجاته المستقبلية التي لامست حياة الناس، أنه حوَّل سلطتهم السياسية إلى دولة وطنية ديمقراطية، وجغرافيتهم إلى وطن للعيش الكريم. في حين أن الوجدان السياسي لدينا ما زال بعد ستة عقود مرتبطًا بالثورة بكونها فعلًا ثوريًا نجح في إسقاط النظام الإمامي الكهنوتي ليس إلا!
هذا بحد ذاته هو ما يجعل رمزية الثوار كمناضلين في ذاكرتنا الوطنية أكثر دلالة من رمزية الثورة نفسها كمشروع تغيير لم ينعكس على واقع الأجيال القادمة. ولهذا نجد التاريخ السياسي في اليمن يسجل لنا تاريخ ثوار ومناضلين خاليًا من تاريخ ثورة في واقع الناس. وعلى العكس من ذلك، يسجل التاريخ السياسي في الغرب للأجيال تاريخ ثورة أكثر من كونه تاريخ ثوار، في حين تحتفل الأجيال المتعاقبة هناك بأعياد وطنية تذكر العالم بمنجزات الثورة أكثر من ذكرى اليوم الذي اندلعت فيه الثورة، مثل يوم الديمقراطية، ويوم المرأة، ويوم المواطنة المتساوية، أو الدستور. لأن مبرر الثورة والتضحيات المقدَّمة في معركة التغيير الثورية يجب أن يُقاس بالمنجزات الوطنية التي تحققت في واقع الإنسان على يد سلطة الثورة، وليس بالثورة التي أسقطت الحاكم كفعل ثوري دون أن تنتصر للمشروع الثوري.
فعلى سبيل المثال، تكمن قيمة الثورة الفرنسية لدى الفرنسيين ليس في كونها الثورة التي أسقطت عائلة لويس من الحكم، وألغت بذلك النظام الملكي الوراثي إلى الأبد، وإنما في كونها ثورة عظمى أصدرت للعالم مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، ناهيك عن نجاحها في صناعة مستقبل الفرنسيين عن طريق تحويل سلطتهم الوراثية إلى دولة مدنية، وتحويل جغرافيتهم إلى وطن يقبل العيش بحرية وكرامة حتى للإسلاميين الذين يناصبون العداء للنظام العلماني وسياسة فرنسا كدولة.
إن النظر إلى الثورة بوصفها فعلًا لحظيًا يتجلَّى في سقوط نظام واستبداله بآخر، هو نظرٌ قاصرٌ يحيلها إلى ذكرى عابرة في صفحات التاريخ، لا إلى منعطف تاريخي حقيقي في حياة الأمم. فالثورة بهذا المعنى الضيق تظل أسيرة الانتصار الآني. أما الثورة بالمعنى الجوهري العميق، فهي تلك التي تتحول إلى مؤسسات، وتتشكل في قوانين، وتنمو في وعي الأجيال، وتصبح جزءًا من النسيج اليومي للحياة، لا في الكتب فقط، بل في ممارسة المواطن لحريته، وفي شعوره بكرامته، وفي قدرته على أن يكون فاعلًا لا مجرد تابع.
إن ما تحتاج إليه ثورتنا اليوم، بعد كل هذه العقود، هو مراجعة جريئة لمفهومها ذاته: أهي حدثٌ انقضى أم مشروعٌ يمتد؟ أهي ذكرى تُستعاد أم رؤية تُستكمل؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت ثورة سبتمبر وما بعدها ستبقى في دائرة الاستذكار العاطفي، أم ستدخل في دائرة البناء الحضاري الفاعل. فالثورة التي لا تنجح في تحويل أبنائها من متفرجين إلى مشاركين، ومن مناضلين سابقين إلى بناة حاضرين، تبقى ناقصة مهما عظمت تضحياتها.
ولعل ما يميز الثورات العظمى في العالم أنها لم تكتفِ بتغيير الحكام، بل ذهبت إلى تغيير المفاهيم، وأعادت صياغة العلاقة بين الفرد والدولة، وفتحت الطريق أمام الأجيال كي تعيد قراءة النضال من أجل الحرية بلغة العصر الحديث. وفي هذا السياق، تبقى الثورة اليمنية مدعوة إلى تجاوز ذاتها، كي لا تتحول إلى أسطورة جامدة، بل إلى طاقة متجددة، قادرة على إلهام الأجيال في بناء دولة القانون والمؤسسات، ودولة المواطنة المتساوية، لا دولة الزعامات والهيمنة.
إن إعادة الاعتبار للثورة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأن قيمة أي ثورة لا تُقاس بما هدمته، بل بما بنته وفق مشروعها الثوري؛ ولا بمن أقصته، بل بمن مكَّنته في قيادة سلطتها الثورية؛ وأخيرًا لا بلحظة الانتصار، بل باستمرارية العيش في ظل قيم ذلك الانتصار. بهذه القيمة الثلاثية فقط تصبح الثورة ملكًا للأجيال، لا ملكًا لجيل واحد؛ ولأنها لم تكن كذلك في اليمن، وجدنا أنفسنا أمام مفارقة تاريخية مركبة: الثورة التي انطلقت لتقطع مع الماضي عادت لتحملنا إليه عبر بوابة الجمهورية ذاتها. فإذا كنا نتساءل طوال المقال عن سبب تحوُّل الثورة في وجداننا إلى فعل لحظي لا مشروع متجدد، فإن الإجابة اليوم تُفرض علينا بقسوة الواقع: لأن سلطة ما بعد الثورة لم تنجح في تحويل مكتسباتها إلى مؤسسات دائمة، ولم تستطع أن تنتج وعيًا سياسيًا حداثيًا قادرًا على تحصين الوطن ضد العودة إلى ما قبله. وعندما لم توجد الدولة الوطنية، وجدت المشاريع المضادة للثورة أن وجود السلطة وفراغ الدولة هو أرضها الخصبة.
إن ما حدث في اليمن بعد 2014 لم يكن مجرد انقلاب على السلطة الشرعية، بل كان انقلابًا على فلسفة الثورة ذاتها وعلى فكرة الجمهورية والدولة الاتحادية. حيث استطاعت الحركة الحوثية – وبعد خمسة عقود من ثورة 26 سبتمبر 1962 – أن تعيد إنتاج منطق الإمامة وسلطة السلالة والنص الديني المسيَّس، فهي لم تكن تملك من أدوات مشروعة سوى استغلال الإخفاقات التي راكمتها مراحل ما بعد الثورة. لقد نجحت هذه الحركة حيث فشلت الثورة، وهذا هو الدرس الأقسى لليمنيين: الثورة التي لا تبني دولة مؤسسات تظل عُرضة لأن يُخطف مشروعها من قبل من يملكون مشروعًا مضادًا أكثر تنظيمًا، وإن كان في جوهره إعادة إنتاج لما ثارت من أجله الأجيال الأولى.
إن المنجز التاريخي المهزوم الذي يشير إليه العنوان ليس ثورة سبتمبر ذاتها، بل هو الدولة الوطنية الديمقراطية التي كان من المفترض أن تكون الثمرة الحقيقية لتلك الثورة وما بعدها من ثورات. لقد هُزم هذا المنجز لأن مشروع الثورة ظل معلقًا في فضاء الخطابات والمناسبات والرموز، دون أن يجد طريقه إلى هندسة اجتماعية وثقافية وسياسية تجعله منيعًا أمام اختراق مشاريع مضادة تدرك أن الثورة الحقيقية هي التي تستطيع أن تمنع الأجيال القادمة من التفكير في الحاجة إلى ثورة جديدة.
اليوم، ونحن نعيد قراءة تجربة ثورة سبتمبر وأكتوبر وحتى فبراير، في ضوء ما آل إليه واقع اليمن اليوم، لا يمكن الاكتفاء بالبكاء على المنجز المهزوم، ولا بالاحتفاء بنبل الآباء المؤسسين. المطلوب هو مراجعة جذرية تبدأ من سؤال واحد: كيف لثورة أن تنهزم بعد خمسة عقود من انتصارها؟ والجواب أن الثورة عندما لا تتحول إلى دولة وطنية ديمقراطية، وعندما لا تصبح ملكية عامة في شكل مؤسسات وقوانين ووعي تراكمي، فإنها تظل قابلة لأن تُسرَق في لحظة ضعف، أو أن يُعاد تأويلها من قبل خصومها، أو أن تتحول إلى مجرد شعارات تستخدمها سلطات جديدة باسمها لهدم ما قامت من أجله وفق فلسفة الثورة.
لذلك، فإن ما يحتاجه اليمن اليوم ليس استعادة ثورة سبتمبر كذكرى، بل استعادة مشروعها المتجدد الذي لم يكتمل. وهذا يعني الإقرار بأن الثورة الحقيقية لم تكن لحظة سقوط الإمامة فقط، بل هي مشروع مستمر في بناء دولة المواطنة، ودولة القانون، ودولة المؤسسات التي لا تقوم على الولاءات الفرعية ولا على الديناميات القبلية ولا على المركزية العابثة. إنها الثورة التي تتحقق كل يوم في محكمة عادلة، وفي دستور يحمي الحريات، وفي جيش وطني لا يتبع فئة دون أخرى، وفي تعليم يحرر العقول من وصاية النص المسيَّس. هذا هو المنجز التاريخي الذي يستحق أن نسميه انتصارًا، وهو ذاته المنجز الذي هُزم حين غابت مؤسسات الدولة وحلت محلها سلطة انقلابية استعادت بعقلية ما قبل الثورة ما ظننت أن الثورة أبادته إلى الأبد.
يبقى السؤال الأكبر في تحدياته يقول: هل نحن على استعداد لأن ننظر إلى ثورتنا الثلاث بعيون المستقبل لا بعيون الماضي؟ هل نستطيع أن نمنحها معنى جديدًا يستوعب طموحات الشباب ويحقق آمالهم؟ الإجابة لن تأتي من الخطابات والمناسبات، بل من إرادة سياسية حقيقية تعيد بناء فكرة الثورة من الداخل، لتصبح مشروع نهضة متكامل، لا مجرد ذكرى عابرة في كتاب التاريخ. ذلك هو المنجز التاريخي الحقيقي الذي يليق بتضحيات الثوار اليمنيين.
في النهاية، تبقى مسؤولية استعادة هذا المنجز التاريخي المهزوم على عاتق الأجيال التي لم تعش تفاصيل لحظة الانتصار الأولى، لكنها تعيش اليوم ويلات الهزيمة بعمق. وهي مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى امتلاك رؤية ثورية جديدة لا تكتفي باستذكار آباء ثورة سبتمبر وأكتوبر، ومناضلي فبراير، بل تستكمل دربهم في بناء دولة تعيد الاعتبار للثورة وتجعل من الثورة اليمنية منعطفًا تاريخيًا حقيقيًا لا مجرد ذكرى سياسية عابرة. عندها فقط يمكن القول إن الثورة قد انتصرت فعلًا، لا في ساحة المعركة الأولى، بل في رحلة عمر اليمنيين كصيرورة تاريخية، وليست زمنية فحسب.













