عدالة القضية الجنوبية ومشهد الجنوبيين على الطاولة
الخميس 19 مارس 2026 - الساعة 02:42 صباحاً
منذ عام 2015 وأنا أكتب كثيراً في القضية الجنوبية، وهي في خلاصتها قضية سياسية عادلة نشأت فعلياً إثر سقوط دولة الوحدة اليمنية في حرب صيف 1994م، وتبلورت في ظل الوحدة اليمنية القائمة جغرافياً وإنسانياً حتى اليوم. وهذا يعني أن نشأة القضية الجنوبية وجرحها التأسيسي لم يكونا بسبب الوحدة اليمنية كمشروع سياسي وطني لليمنيين، بل بسبب الانقلاب العسكري الذي اجتاح الجنوب وأعاق تحويل المشروع الوطني الوحدوي إلى دولة الوحدة اليمنية الموقَّع عليها والمُعلَن عن قيامها عام 1990م، والذي تحوَّل في الوقت نفسه إلى انقلاب سياسي أقصى الجنوبيين تماماً من المشاركة في صناعة القرار السياسي، وليس فقط في التمثيل الوظيفي داخل أجهزة السلطة الحاكمة والمنتصرة عسكرياً.
هذا التأصيل الدقيق لجذور القضية يضعنا أمام حقيقة جوهرية غالباً ما تغيب عن الخطاب السياسي المبسَّط: أن المأساة الجنوبية لا تنبع من فكرة الوحدة ذاتها، بل من انقلاب تلك الفكرة وتحوُّلها إلى نقيضها في مستقبل اليمنيين، والجنوبيين على وجه التحديد. فالوحدة اليمنية التي قامت عام 1990م كانت حلماً تاريخياً وتجاوباً مع إرث طويل من النضال الوطني المشترك، غير أن حرب صيف 1994م لم تكن مجرد نزاع عسكري عابر، بل كانت لحظة تأسيسية لجرح جنوبي عميق لا يزال ينزف حتى اليوم. حتى التعديلات الدستورية التي فرضها الرئيس صالح بعد الحرب، بموافقة أعضاء مجلس النواب القادمين جميعاً من دوائر الشمال ومعارضة جميع نواب الجنوب، كانت دليلاً آخر على تحوُّل الانقلاب العسكري إلى هيمنة سياسية شاملة، رسَّخت في العقل الجمعي الجنوبي فكرة أن الشراكة الوطنية التي قامت عليها الوحدة قد ألغيت إلى غير رجعة.
بدون شك، هناك ثلاثة معطيات موضوعية تشكل العمود الفقري لعدالة ونشأة القضية الجنوبية، وهي في الوقت نفسه خريطة الطريق لفهم تعقيداتها: أولها قيام الوحدة اليمنية بين الجمهوريتين الشمالية والجنوبية بموجب اتفاقيات سياسية أبدية ألغت التشطير السياسي، وثانيها المشروع السياسي للوحدة القائم على تحويل اليمن الموحَّد إلى دولة وطنية ديمقراطية تتسع للتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وثالثها حرب صيف 94 الانقلابية التي انقلبت على دولة الوحدة وكرَّست إقصاء الجنوبيين ليس فقط من المشاركة في صناعة القرار السياسي، بل أيضاً تهميش الجنوب اقتصادياً في ظل أكذوبة تحويل عدن إلى مدينة عالمية حرة أو عاصمة اقتصادية، مع أنه تم تأجير ميناء عدن بهدف تعطيل دوره الاقتصادي!
هذا المثلث المفاهيمي يضعنا أمام إشكالية محورية: كيف يمكن للقضية التي نشأت في حضن الوحدة أن تجد حلها خارج إطارها؟ أو بعبارة أخرى، هل ما زالت الوحدة اليمنية كمعطى موضوعي ومشروع سياسي قادرة على تقديم الحلول العادلة للقضية الجنوبية، أم أن الحل يكمن بالضرورة في العودة إلى التشطير السياسي واستعادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تحت مسمى دولة الجنوب العربي؟
لطالما اعتقدت، وما زلت، أن الوحدة اليمنية كانت وما زالت كفيلة بتقديم الحلول العادلة والشاملة للقضية الجنوبية مهما تغيرت الظروف والأحداث. وحتى المنظِّر السياسي الأول للقضية الجنوبية، محمد حيدره مسدوس، لم يغادر في كتاباته مربع المرجعيات السياسية والدستورية المتعلقة بمشروع الوحدة وإصلاح مسارها الذي عطَّلته حرب 94. ومخرجات الحوار الوطني الشامل التي أقرت بعدالة القضية الجنوبية وبنَت حلولها على هذا الأساس، تؤكد أن الحل العادل والآمن ما زال في إطار اليمن الاتحادية الكبيرة. صحيح أن الانقلاب الحوثي شكَّل تحدياً كبيراً وأعاق قيام الدولة الوطنية الديمقراطية، لكن إسقاط هذا الانقلاب واستعادة صنعاء ليس بعيد المنال إذا كان ذلك هدف اليمنيين جميعاً.
على هذا الأساس، السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم يتعلق بمشهد الجنوبيين أنفسهم على طاولة الحوار المرتقب في الرياض. وهنا لا أقصد التقليل من قدرة الجنوبيين على تحمُّل مسؤوليتهم، بل أقصد تسليط الضوء على اختلافاتهم في التوجهات والرؤى، وهي اختلافات تعكس عمق الانقسام السياسي والاجتماعي الذي أصاب المشهد الجنوبي إثر الأحداث الأخيرة، وفي الوقت نفسه تستحضر تلقائياً تجارب تاريخية من سلطة الدولة في جنوب اليمن. هذا المشهد في تصوري سينتج حتماً ثلاث أوراق أو ثلاثة مشاريع سياسية على طاولة الحوار، تحمل كل منها رؤيتها الخاصة للقضية الجنوبية وتواجه تحدياتها الخاصة.
الورقة الأولى: مشروع الدولة الجنوبية المستقلة = {دولة الجنوب العربي}
سيتمسك حاملو هذه الورقة باستعادة الدولة الجنوبية على حدودها الفاصلة مع الشمال حتى عام 1990م، دولة مستقلة كاملة السيادة على حدود جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ولكن تحت مسمى دولة الجنوب العربي. وتقوم حجية هذه الورقة على ثلاث سرديات متراكبة: أولها أن الوحدة اليمنية انتهت فعلياً في حرب صيف 94 التي انقلبت على دولة الوحدة وضمت الجنوب قسراً إلى الشمال، مما يجعل فك الارتباط مبرراً سياسياً لاستعادة الدولة التي أُلغيت بقوة السلاح. وثانيها الاحتجاج بالقرارات والإدانات العربية والدولية التي صدرت عام 1994 ورفضت خيار الحرب وفرض الوحدة بالقوة. وثالثها السردية الموضوعية القائلة إن العقل السياسي المتغلغِل في الشمال غير مؤهل لتقديم حلول عادلة للقضية الجنوبية، والدليل على ذلك نجاح الانقلاب الحوثي على مخرجات الحوار الوطني بدعم من السلطة الحاكمة في صنعاء. ناهيك أن حاملي هذه الورقة يرون أنه لا يمكن تعليق مستقبل الجنوبيين على مسألة القضاء على انقلاب الحركة الحوثية في الشمال، خصوصاً وأن تحقيق ذلك أصبح بلا أفق محدد.
ولكن التحديات الحقيقية أمام هذه الورقة تظهر في الأسئلة المصيرية القائلة: هل الجنوب، مع كل المتغيرات الجارية والتدخلات والانقسامات، قادر على استعادة دولته على حدود 1990م والحفاظ على كيانها السياسي والوطني والهوياتي؟ وهل انفصال الجنوب عن الشمال سيحوله تلقائياً إلى دولة وطنية ديمقراطية، خصوصاً وأن عدالة القضية الجنوبية ناتجة أصلاً عن الانقلاب على المشروع الوطني الذي حمله الجنوب عام 1990؟ ثم ما ضمانات أن العامل الخارجي، إذا وُجد في دعم الانفصال، سيتوقف عند حدود 1990م ولن يفتح الباب أمام تقسيم الجنوب إلى دولتين، خصوصاً إذا تم القفز على روابط الانتماء للهوية اليمنية الجامعة؟ وهل يمكن لمسمى "دولة الجنوب العربي" أن يتحول إلى هوية سياسية جامعة لكل أبناء الشطر الجنوبي، في ظل وجود محافظات كبيرة معترضة على هذا المسمى؟ والأخطر من ذلك: ما هو الخيار المعتمد لتحقيق استعادة الدولة الجنوبية، القوة العسكرية أم الحوار؟ وإذا كان الحوار هو السبيل، فمَن هي السلطة السياسية التي يجب التفاوض معها على خطوات فك الارتباط السلمي؟
الورقة الثانية: مشروع الحل في إطار اليمن الاتحادي
سيتمسك حاملو هذه الورقة بحل القضية الجنوبية العادل في إطار اليمن الكبير، مع الإبقاء على منجز الوحدة وتحويل دولة الوحدة من دولة بسيطة إلى دولة اتحادية، سواء كان الجنوب إقليماً واحداً أو إقليمين. هذا التوجه ينسجم مع حقيقة أن القضية الجنوبية نشأت في ظل الوحدة وليس خارج فضاءها، وبسبب الانقلاب على مشروعها الوطني الذي حمله الجنوب عام 1990. ويرى أصحاب هذه الورقة أن حل القضية يكمن في إنصاف الجنوب وإسقاط انقلاب النخب السياسية، وليس في معاقبة اليمنيين في وحدتهم المستندة إلى حقائق الجغرافيا والتاريخ والهوية الجامعة. ويستندون في ذلك إلى اعتراف اليمنيين جميعاً بعدالة القضية، وإلى أن عودة التشطير لن تخدم مصالح الجنوبيين لأن تجربة التشطير لم تكن مثالية، ولو كانت كذلك لما كانت الوحدة هي المشروع البديل لدولتين. وأكثر من ذلك، يستندون إلى كل المحاذير والمخاطر التي تثيرها الأسئلة المطروحة على الورقة الأولى.
غير أن التحدي الكبير أمام هذه الورقة يتمثل في أسئلة واقعية: متى وكيف سيتم القضاء على انقلاب الحوثيين وتحويل اليمن إلى دولة لكل اليمنيين؟ وكيف يمكن للجنوب، بمشهده الحالي المنقسم، أن يكون حاضراً في معركة المواجهة مع الحوثيين إلى جانب الشمال؟
الورقة الثالثة: مشروع الإقليم الشرقي أو الدولة المستقلة
سيذهب أصحاب هذه الورقة من حيث المبدأ إلى حل القضية في إطار اليمن الاتحادية، لكن مع التمسك بأن يكون الجنوب إقليمين أو أكثر، على أن تكون المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة وسقطرى) إقليماً واحداً. وإذا تعذَّر ذلك وكان لا بد من فك الارتباط بين الشمال والجنوب، فإن خيارهم سيكون قيام دولة وطنية مستقلة في المحافظات الشرقية بناءً على خصوصيتها الثقافية وهويتها المحلية. بمعنى آخر، قيام دولتين في الشطر الجنوبي الذي دخل الوحدة على حدود 1990م. ويستند هؤلاء إلى مبررات الورقة الثانية من حيث المبدأ، لكنهم يرون أن العودة إلى دولة على حدود 1990م لن تخدم مصالحهم لأن تجربة السلطة الحاكمة في الجنوب لم تكن خالية من الهيمنة المناطقية، ولأن استعادة الجنوب تحت مسمى "دولة الجنوب العربي" ستعزز هيمنة المحافظات الجنوبية على المحافظات الشرقية. ويرون في تجربة المجلس الانتقالي والأحداث الأخيرة دليلاً على تجذُّر نزعة الهيمنة السياسية قبل فك الارتباط عن الشمال, فكيف سيكون بعد فك الارتباط؟ كما يعتقدون أن خصوصيتهم الثقافية والإنسانية، وحتى البيئة وطموحهم التجاري ورافعاتهم الاقتصادية ستمكِّنهم من بناء دولتهم المنشودة.
في كل الأحوال، التقارب والتنسيق بين الورقة الثانية والثالثة ممكن، وحتى تبادل الأدوار، كما أن فتح القنوات أو التعاطي مع العامل الخارجي مهم لكل حاملين الأوراق. لكن الأفق المرسوم بكل أحداثه الجارية على المستوى الإقليمي والخارجي يُقال إن الإقليم وما وراءه غير مستعد الآن لفكرة تقسيم اليمن.
أخيراً، المشهد السياسي الجنوبي اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل الذاكرة الوطنية مع آلام الماضي وطموحات المستقبل. وبين أوراق ثلاث تحمل رؤى مختلفة لمصير الجنوب، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة الجنوبيين على تجاوز انقساماتهم والجلوس على طاولة حوار واحدة تنبثق منها رؤية وطنية جامعة تحقق تطلعات أبناء الجنوب كافة وتعبِّر عنهم في طاولة الحوار المستقبلية مع السلطة الشرعية في اليمن. فعدالة القضية الجنوبية لم تعد اليوم موضع خلاف، ولكن الطريق إلى تحقيق هذه العدالة ما زال يحتاج إلى توافق جنوبي-جنوبي يُعيد ترتيب البيت الداخلي أولاً، ويصوغ رؤية موحدة للحل تراعي المصالح الوطنية العليا للجنوب وأبنائه. وإن كانت الوحدة اليمنية قد تعرَّضت لانتكاسات متتالية، إلا أنها تظل الإطار الأوسع الذي يمكن من خلاله تحقيق حلول عادلة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح مسارها. أما مستقبل الجنوب، فسيظل رهناً بقدرة أبنائه على تحويل اختلافهم إلى ثراء وطني، وليس إلى عائق يعمِّق الجراح ويضيِّع الفرص.
مهما كانت الخيارات، فإن صوت الحوار والعقل يجب أن ينتصر، لأنه السبيل الوحيد لبناء مستقبل آمن ومستقر للجنوب وأهله.













