العشوائية: بين المفهوم السلبي والرؤية العلمية..
السبت 21 فبراير 2026 - الساعة 03:04 صباحاً
ينظر الكثيرون إلى العشوائية بمنظور سلبي، وكأنها تعني الفوضى، والعبث، واختلال النظام غير أن هذا الفهم الشائع لا يعكس حقيقتها في الإطار العلمي.
قدم العلم مفهومًا إيجابيًا للعشوائية، حيث أصبح تطبيقها في منهجية الدراسات العلمية والإنسانية وسيلة لإنتاج أدلة مادية واستنتاجات موثوقة وتكمن أهمية العشوائية في أنها تلغي تحيز الباحث منذ بداية إجراء البحث وتمنع توجيه النتائج لصالح الفرضية البديلة وبالتالي تقلل من الوقوع في الخطأ الإحصائي من النوع الأول (رفض نظرية العدم وهي صحيحة).
بذلك أصبحت العشوائية شرطًا أساسيًا لضمان الصلاحية الداخلية للدراسة، ولإلغاء الخطأ النظامي عند توزيع المشاركين على المجموعات دون تدخل أو انتقاء من الباحث.
لقد تطورت العشوائية لتصبح لها طرق منهجية واضحة وبرامج مخصصة لتنفيذها وأليات تمنع معرفة الباحث بموقع المشارك داخل المجموعة وذلك انطلاقًا من أن معرفة موقع الفرد في المجموعة قد تؤثر على النتائج وتُضعف صحة القياسات.
كذلك تعمل العشوائية على توزيع العوامل المؤثرة غير المباشرة بين المجموعات لتقليل أثر المتغيرات الدخيلة وتعزيز دقة النتائج.
حتى صلاحية إستخدام الإختبارات الإحصائية تفترض وجود العشوائية كشرط أساسي, فصحة نتائج التحليل الإحصائي تعتمد على أن تكون العينة موزعة بطريقة عشوائية لتضمن سلامة التطبيق.
يقف في الجانب المقابل للعشوائية مبدأ التجانس، وهو مبدأ لا يتوافق دائمًا مع الأطر الواقعية للظواهر والأحداث ومن الظواهر التي يُستشهد بها في سياق التجانس هي المتفردة الكونية التي نشأ عنها الكون وتجانس بيانات التوزيع الطبيعي في علم الإحصاء, لكن الواقع يؤكد أنه لا يوجد تجانس مطلق؛ إذ إن ما يحكم الظواهر والأحداث هو التباين، بوصفه انعكاسًا للتنوع، وهو ظاهرة كونية عامة. أما التجانس الذي نراه أحيانًا فهو غالبًا تجانس مفتعل، يُستخدم لضبط ظروف إجراء تجربة في ظروف اقرب للمثالية.
حتى في حالة الإنتروبي، أحد القوانين الأساسية في الديناميكا الحرارية، لا يمكن وصف العشوائية بالهدامة, فمسار الإنتروبي ثابت عبر الإنتقال من نظام أعلى تنظيمًا إلى نظام أقل تنظيمًا، وفق قانون طبيعي منتظم، لا عبثي. حتى في ألعاب الحظ والنصيب، يُعد الاختيار العشوائي المبدأ المثالي للعدالة، إذ يترتب عليه قبول النتيجة من جميع الأطراف لحياد آليته.
يتضح مما سبق أن النسبية تتحكم في طبيعة القياسات، وأن الحقيقة المطلقة نادرة، ولا تُقبل إلا إذا ثبتت قطعًا، مثل كروية الأرض وسرعة الضوء وقانون الجاذبية والحسابات الرياضية القطعية.
إذا العشوائية ليست فوضى، وليست عبثًا، بل هي أداة منهجية رصينة تحمي البحث العلمي من التحيز، وتُعزز مصداقية نتائجه، وتُجسد مبدأ العدالة في الاختيار، وتعكس طبيعة الكون القائمة على التباين لا التجانس المطلق.













