المحاميات اليمنيات بين قيود المجتمع وشغف المهنة
الاحد 23 أغسطس 2026 - الساعة 08:14 مساءً
المصدر : الرصيف برس - وكالة أنباء المرأة

شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في حضور اليمنيات في مهنة المحاماة، التي بقيت لسنوات طويلة مجالاً يغلب عليه حضور الرجال، متحدياتٍ صعوبات اجتماعية ومهنية كرست الاعتقاد بصعوبة دخول المرأة هذا المجال. لكن الواقع أظهر عكس ذلك، إذ استطاعت المحاميات شق طريقهن في ساحات العدالة وإثبات حضورهن المهني.
تشير إحصاءات نقابة المحامين اليمنيين إلى تزايد ملحوظ في أعداد النساء الملتحقات بمهنة المحاماة، إذ تجاوزت نسبتهن عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل عام 2014، في ارتفاع تصفه النقابة بغير المسبوق، خصوصاً في مجتمع لا تزال فيه المهن القانونية ذات حضور رجالي واسع.
وبحسب آخر إحصائية للنقابة، توجد محامية واحدة مقابل كل عشرة محامين رجال، فيما تتوقع النقابة استمرار ارتفاع هذه النسبة خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بعوامل عدة، من بينها تغير النظرة المجتمعية تجاه عمل المرأة، وتزايد القبول بوجودها في مهنة المحاماة، إلى جانب تراجع بعض القيود الاجتماعية التي حدّت لسنوات من خيارات النساء المهنية.
لكن ارتفاع أعداد المحاميات لا يعني أن الطريق أمامهن أصبح خالياً من العقبات؛ فما تزال المحامية تواجه نظرة اجتماعية متباينة، وتحديات مهنية وأمنية، خصوصاً عند التعامل مع القضايا الحساسة والشائكة.
من موقف حقوقي إلى قاعات المحاكم
لم تكن مهنة المحاماة بالنسبة إلى أمل الصبري، مجرد تخصص جامعي اختارته من بين خيارات أخرى، بل بدأت من موقف عاشته وهي طالبة في المرحلة الثانوية، حين حضرت مظاهرة مرتبطة بإحدى القضايا الحقوقية، وشاهدت اعتقالات طالت عدداً من الناشطين المشاركين فيها.
ترك المشهد أثراً فيها، وفتح أمامها سؤالاً حول الوسيلة التي يمكن من خلالها الدفاع عن حقوق الناس وقضاياهم. وعندما عادت إلى منزلها وأخبرت والدها بما حدث، كان جوابه نقطة تحول في مسارها؛ إذ شجعها على دراسة الشريعة والقانون، معتبراً أن هذا المجال يمكن أن يمنحها الأدوات اللازمة لمناصرة الناس والدفاع عن حقوقهم.
اليوم، تعمل أمل الصبري محامية ومترافعة أمام المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، ومدافعة عن حقوق الإنسان في تعز، لكنها تقول إن ممارسة المهنة، خصوصاً كامرأة، تضعها أمام تحديات متعددة؛ بعضها يرتبط بنظرة المجتمع، وأخرى فرضتها ظروف الصراع وطبيعة القضايا التي تتولاها.
بين الرفض والقبول
تقول إن نظرة المجتمع إلى المرأة المحامية لا تزال متباينة؛ فهناك من ينظر إليها نظرة قاصرة أو دونية، في مقابل آخرين يشجعون النساء على دخول المجال القانوني.
وتوضح أن القبول الاجتماعي بالمحاميات بدأ يتزايد خلال السنوات الأخيرة مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق، مشيرة إلى أن تجربتها في مديرية صبر الموادم في تعز تعكس محدودية حضور النساء في المهنة؛ إذ تعد، بحسب قولها، ثاني امرأة تمارس المحاماة في مديريتها.
ولا يقتصر اختلاف النظرة إلى المحامية على المجتمع، بل يظهر أيضاً في اختيارات الموكلين، وتضيف "بعض أصحاب القضايا يفضلون التعامل مع المحامين الرجال، بينما يفضل آخرون التعامل مع المحاميات، خصوصاً في قضايا النساء".
إثبات الكفاءة تحدٍ مستمر
في بداياتها، واجهت أمل الصبري تحديات مرتبطة بكونها امرأة تمارس مهنة لا يزال الرجال يشكلون حضوراً بارزاً فيها، لكنها ترى أن العلم والمعرفة والثقة بالنفس والإيمان بالقضية التي تدافع عنها تساعد المحامية على تجاوز هذه العقبات.
كما تشير إلى أن مواجهة محامين أكثر خبرة كانت تمثل تحدياً في بداياتها، لكنها استطاعت مع الوقت تجاوز ذلك، وترى أن التمييز ضد المحاميات كان أكثر وضوحاً في السابق، لكنه بدأ يتراجع مع زيادة أعداد النساء في المهنة "كان هناك نوع من التمييز لدى البعض، لكن هذا كان سابقاً بشكل كبير، الآن هناك قبول، وهناك عدد كبير من النساء يمارسن مهنة المحاماة".
الحرب تضاعف مخاطر المهنة
لم يترك الصراع في اليمن المؤسسات العدلية بمعزل عن تداعياتها، بل انعكست على طبيعة عمل المحامين والمحاميات. وتوضح أمل الصبري أن المحامين يواجهون تحديات أمنية ونفسية واجتماعية، إضافة إلى تحديات تقنية مرتبطة بحماية الأجهزة والمعلومات، خصوصاً بالنسبة إلى من يتولون قضايا حساسة.
وتشير إلى أن استمرار الصراع وضعف المؤسسة العدلية والقضائية جعلا ممارسة المحاماة أكثر صعوبة، خصوصاً عند التعامل مع قضايا شائكة ومعقدة وملفات كبيرة.
وتوضح أنها تولت قضايا كانت تعرف مسبقاً أنها تنطوي على مخاطر، بينما اختارت عدم تبني قضايا أخرى بسبب ارتفاع مستوى الخطورة فيها "هناك قضايا لها مخاطر كبيرة، وقد توليت قضايا خطيرة وما زلت أتبناها وأعمل عليها، وهناك قضايا حاولت أن أتجاوزها لأن المخاطر فيها عالية".
وترى أن حماية المحامي لنفسه ضرورة حتى يتمكن من مواصلة الدفاع عن حقوق الآخرين، قائلة "من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان وعن قضايا الناس، يجب أن توفر الحماية لنفسك في البداية كمحامي".
حماية قانونية بحاجة إلى تفعيل
وبشأن الحماية القانونية، توضح أمل الصبري أن المحامية تتمتع مثل المحامي، بالحصانة التي ينص عليها القانون المنظم لمهنة المحاماة، لكنها ترى أن ظروف الصراع والوضع الأمني أضعفا تطبيق هذه الآليات والرقابة عليها.
وتؤكد أن المحاميات بحاجة إلى حماية قانونية سريعة وفعالة، داعية نقابة المحامين ومنظمات المجتمع المدني إلى توفير شبكة حماية قانونية للمحامين والمحاميات، تكون قادرة على الاستجابة للمخاطر بصورة أسرع.
كما تشدد على أهمية التدريب في مجال الحماية التقنية، خصوصاً حماية المعلومات والملفات وسريتها، باعتبار أن طبيعة عمل المحاميات قد تضعهن أمام معلومات وقضايا حساسة.
حضور نسائي يتزايد
رغم التحديات، ترى أمل الصبري أن حضور النساء في مهنة المحاماة أصبح جيداً، مع زيادة أعداد المحاميات خلال السنوات الأخيرة. وتقول "عندما تكون المحامية مؤمنة بقضايا الناس والانتصار لحقوقهم، لا تهتم بالتحديات التي تأتي من الخارج".
ووجهت رسالتها إلى الفتيات الراغبات في دخول المجال، قائلة "المحاماة رسالة عظيمة ورسالة سامية، وليست مجرد تخصص أكاديمي أو علمي أو مهنة عادية".
وأوضحت أن المحامية يمكن أن تكون "صوتاً لمن لا صوت له"، ووسيلة للدفاع عن المظلومين والضحايا والفئات الأكثر ضعفاً، وتحقيق العدالة والانتصار لحقوق الناس.
وبين نظرة مجتمع تتغير تدريجياً، وحضور نسائي يتوسع، ومخاطر فرضتها الحرب والنزاع، تواصل المحاميات اليمنيات شق طريقهن في ساحات العدالة، ساعيات إلى ترسيخ حضورهن المهني وكسر الصورة النمطية عن المحاماة باعتبارها مهنة للرجال وحدهم.













