تحليل: الحرب على إيران – قراءة خبراء مركز صنعاء

الثلاثاء 10 مارس 2026 - الساعة 08:32 مساءً
المصدر : الرصيف برس - مركز صنعاء للدراسات

 


تُطلق الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران موجةً من الفوضى في أنحاء المنطقة؛ فمنذ انطلاق العملية العسكرية المشتركة في الساعات الأولى من الـ28 من فبراير، بلغ عدد القتلى الإيرانيين الآلاف، وسقط المرشد الأعلى (آية الله) علي خامنئي. تواصل طهران توسيع نطاق ردّها، إذ تواصل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل والقواعد الأمريكية ودول الخليج المجاورة، وقد جاء دعم ما يُعرف بـ”محور المقاومة” لإيران حتى الآن من حزب الله والفصائل العراقية المسلحة، غير أن ثمن هذه المشاركة كان باهظاً، ولا سيما على لبنان التي لا تزال تتعرض لقصف إسرائيلي مكثف.

 

أبقى الصراع، في الوقت الراهن، اليمنَ بمنأى عن نيرانه، وتتجه الأنظار نحو الحوثيين، أوثق حلفاء إيران، الذين أبدوا حتى الآن تحفظاً إزاء الانخراط العسكري في الحرب؛ وإن أقدموا على الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حتى دول الخليج، فقد يكون ذلك منعطفاً بالغ الخطورة على اليمن. بات الأمل في الاستقرار معلقًا بخيطٍ واهن في ظل التحولات المتقلبة المتوقعة في الأسابيع المقبلة.

 

يُقدّم خبراء مركز صنعاء قراءتهم للمستجدات الأخيرة للحرب على إيران، ويستشرفون تداعياتها المحتملة على اليمن.

 

*فشل محور المقاومة| د. توماس جونو*

 

لقد أخفق محور المقاومة ــ ذلك البناء الذي شيّدته الجمهورية الإسلامية بصبر عبر نسج شبكة من الفاعلين الدوليين والمحليين المتقاطعين معها في التوجه والرؤية ــ وإن كان المحور لم يُهزم بعد ويحتفظ ببعض قدراته، فقد كشف بجلاء عن حدوده البالغة. أصبح مركزه في إيران شديد الهشاشة، فيما مُنيت كثير من أذرعه بالخسائر، كحزب الله في لبنان، بل بخسائر فادحة في حالات أخرى، كحماس في الأراضي الفلسطينية، فضلاً عن اختفاء أحد أعضائه كلياً، وهو سوريا بشار الأسد.

 

لفهم عقيدة الجمهورية الإسلامية، التي كثيراً ما يُشار إليها بـ”استراتيجية الدفاع المتقدم”، لا بد من الانطلاق من وعيها الحاد باختلالات موازين القوى العسكرية في المنطقة؛ فإدراكاً منها لهشاشة موقفها في مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة، آثرت على مدى عقود الاستثمار في منظومة متنوعة من الأصول غير المتماثلة، أبرزها الصواريخ والطائرات المسيّرة والفاعلون المسلحون من غير الدول، ولم يكن الهدف بلوغ التكافؤ العسكري، بل تهديد الخصوم بإيقاع أذى كافٍ يردعهم عن الإقدام على مهاجمة إيران مباشرة.

 

أثبتت هذه الاستراتيجية جدواها لفترة من الزمن، فحتى أكتوبر 2023، كان ثمة إحساس بوجود توازن رعب، هشّ ومتذبذب، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وإذ اقتنع قادة الأطراف جميعها بأن الحرب المفتوحة ستكون مكلفة، بدا تفاديها والاقتصار على عنف غير مباشر ومحدود ومحسوب خيارًا أكثر جدوى، غير أن هجمات السابع من أكتوبر، دفعت إسرائيل إلى نبذ هذا التحفظ والإقدام على توظيف تفوقها العسكري التقليدي الهائل بلا قيود، إذ توالت بعدها الضربات الإسرائيلية الموجعة على حزب الله وحماس خلال العمليات في غزة ولبنان. لم تُهزم الجماعتان، لكن قدرتهما على الرد على إسرائيل تقلّصت تقلصاً حاداً. في أبريل وأكتوبر 2024، تبادلت إسرائيل وإيران الضربات المباشرة للمرة الأولى، وفي المرتين أثبتت إسرائيل تفوقها: أوقعت خسائر في إيران دون أن تتكبّد سوى أذى محدود، وقد بلغ هذا الاختلال ذروته في حرب الـ12 يوماً في يونيو 2025، حين حققت إسرائيل سيطرة جوية شبه تامة على مساحات واسعة من إيران، ومزّقت بنيتها العسكرية بما فيها منظومات الدفاع الجوي، ثم طالت، بمشاركة أمريكية، برنامجها النووي. جاءت الجولة الأخيرة من العنف لتُعمّق هذا المسار وتُرسّخه.

 

ماذا تعني هذه الجولة الأخيرة من الصراع بالنسبة لمحور المقاومة، وللحوثيين تحديداً؟

 

قبل العام 2023، سادت تكهنات بشأن تنامي مأسسة المحور، بيد أن ما تلا ذلك من أحداث كشف عن محدودية التزام أعضائه بالدفاع الجماعي، وشُحّ الجهود المبذولة لنجدة بعضهم في ساعات العسرة. مع تهديد بقاء الجمهورية الإسلامية، أصبحت حماس وحزب الله — طليعة المحور التاريخية — أعجز عن القفز إلى المعركة بحسم، أما الفصائل المسلحة المدعومة إيرانياً في العراق، فمنشغلة بالدرجة الأولى بصون مصالحها المحلية، لا سيما المالية منها، في بلد هشّ. بالمقابل، يمثل الحوثيون قصة النجاح الوحيدة في المحور خلال السنوات الأخيرة؛ فعلى خلاف معظم الأعضاء، باتوا اليوم أقوى مما كانوا عليه قبل ثلاث سنوات. مع ذلك، يخشون بدورهم الانتقام الأمريكي والإسرائيلي إن انخرطوا في القتال، فضلاً عن مصالح داخلية يتعين عليهم إدارتها.

 

يبدو الأفق قاتم أمام المحور؛ فإن نجت الجمهورية الإسلامية من الحرب، ستخرج منها أضعف، وبالتالي أكثر اتكاءً على بقايا المحور في تأمينها، ولا سيما الحوثيين، وستكون طهران في حاجة ماسة إلى وقف النزيف للحفاظ على حدٍّ أدنى من الردع، مما يستلزم إعادة بناء الثقة داخل المحور ومواصلة تسليح أعضائه، غير أن الجمهورية الإسلامية ستظل على الأرجح مخنوقة بالعقوبات، مشلولة بالصراعات الداخلية، مُنهَكة عسكرياً، منكفئة على ذاتها، وهاجسها شعب منهك يعتمل في داخله السخط.

 

كلما طال أمد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ازداد احتمال انهيار الجمهورية الإسلامية. من بين أعضاء المحور، يبدو الحوثيون الأوفر حظاً في التكيّف مع عالم ما بعد الجمهورية الإسلامية، إذ يمتلكون مصادر قوة وإيرادات محلية، ويواصلون الاستفادة من هشاشة التحالف المناهض لهم، كما بذلوا في السنوات الأخيرة جهداً ملموساً لتنويع شراكاتهم، ولا سيما مع الصين وروسيا ودول القرن الأفريقي. مع ذلك، سيتكبّد الحوثيون، شأنهم شأن سائر أعضاء المحور، انتكاسات جسيمة، فبرنامجهم الصاروخي وبرنامج المسيّرات، الذي يُشكّل العماد الأساسي لنفوذهم في مواجهة السعودية والإمارات وحركة الملاحة في البحر الأحمر، لن يكون قابلاً للاستمرار على الأرجح في غياب الدعم الإيراني.

 

*قرار بالغ الحساسية أمام الحوثيين| مراد العريفي*

 

دفع التصعيد الإقليمي الحوثيين إلى مواجهة معضلة حقيقية، فبينما يشير تحالفهم مع طهران ومحور المقاومة إلى احتمال الانخراط المباشر في الحرب، يوحي هذا التحفّظ بأن الجماعة قد تكون، خلافاً لمواقفها السابقة، أكثر حذراً من الانزلاق نحو الإفراط في التمدد. يتشكّل هذا الحذر من عاملين: هشاشة التوازن الداخلي في اليمن، والطابع المتصاعد للردع الأمريكي والإسرائيلي. خلال العام الماضي، تحولت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في اليمن نحو نمط أكثر شراسة، منتقلةً من استهداف الأصول العسكرية الحوثية إلى ضرب قيادة الجماعة والبنية التحتية المدنية، وكانت الخسائر ثقيلة، فقد طالت عدداً من كبار القادة العسكريين، في مقدمتهم رئيس الأركان محمد الغماري.

 

بداية الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك على إيران، رجّح محور المقاومة ــ بما فيه الحوثيون ــ أن يكون التصعيد أداة دبلوماسية قسرية تهدف إلى إجبار طهران على القبول بالتفاوض. لم تُبدِ الجماعة شهية تُذكر لحرب أوسع لا تعود عليها بمكاسب واضحة سوى توسيع رقعة الصراع الإقليمي، وكان حزب الله لا يزال يكابد للتعافي من الضربات الإسرائيلية المتواصلة، فيما كان الحوثيون يُعيدون ترتيب أولوياتهم والعودة إلى مناقشات خارطة الطريق والتفاهمات المتبادلة مع المملكة العربية السعودية، أما في العراق، فكانت الفصائل المسلحة مشغولة بالسعي للحصول على قبول أمريكي بالعودة المحتملة لنوري المالكي إلى السلطة، غير أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين، وامتداد الضربات الصاروخية في أرجاء المنطقة، ودخول حزب الله الحرب، كل ذلك اضطر الحوثيين إلى إعادة حساباتهم. قد يشجّع إثبات إيران قدرتها على الاحتفاظ بزمام المبادرة الاستراتيجية الجماعةَ على الانحياز أكثر نحو الصراع، لا سيما إن تحوّل إلى حرب استنزاف مطوّلة، وهو بيئة تتلاءم مع أسلوب الحوثيين العسكري وسلوكهم العملياتي.

 

ثمة عوامل عدة قد تزيد من احتمال انخراط الحوثيين في الحرب، أبرزها قدرة الجماعة على تهديد مضيق باب المندب، ومدى وصول صواريخها ومسيّراتها إلى أهداف محتملة تشمل إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج، بيد أن ثمة قيداً رئيسياً يتمثل في التفاهم الذي توسطت فيه عُمان مع الولايات المتحدة والذي أوقف الاشتباكات المباشرة العام الماضي، فالدخول في الحرب سيحطّم هذا الاتفاق، ويرفع عن واشنطن كل تحفظ، ويستدعي حملة مستدامة وقاتلة تستهدف قيادة الجماعة وبنيتها التحتية.

 

إن كان بقاء النظام الإيراني على المحك، فمن المرجح أن تفوق تكاليف التدخل أي مكاسب محتملة للحوثيين. يخشى الحوثيون داخلياً أن تدفع الحرب السعودية والولايات المتحدة إلى تحويل دعمهما نحو خصومهم المحليين في اليمن، مما قد يفضي إلى شن عملية عسكرية واسعة ضد الجماعة، وفي المحصلة، سواء انخرط الحوثيون في الحرب أو آثروا الحياد، فقد دخلوا اختباراً مصيرياً لبقائهم السياسي، تقع فيه زمام المبادرة وتبعات القرار على عاتقهم وحدهم.

 

*ما وراء الحوثيين: الحرب على إيران اختبار حقيقي للحكومة اليمنية| يزيد الجداوي*

 

أشعل التصعيد المتواصل في الحرب على إيران موجةً من التكهنات حول احتمال تدخل الحوثيين؛ غير أن الأسئلة الأكثر تأثيراً على اليمن قد تكمن في مكان آخر، فما وراء الحسابات الاستراتيجية للحوثيين، يمثّل التصعيد الإقليمي الأخير اختباراً حاسماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، على صعيد جاهزيتها الاستراتيجية وتماسكها المؤسسي وقدرتها على العمل المستقل.

 

في الرابع من مارس، عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اجتماعاً مع لجنة إدارة الأزمات الحكومية، في أول اجتماع طارئ من هذا المستوى منذ حرب الـ12 يوماً. قبل ذلك، لم تكن ثمة مؤشرات واضحة على وجود تخطيط للسيناريوهات أو استعداد منسّق لمواجهة تصعيد إقليمي مطوّل، وفي ظل احتمالات تعطّل الملاحة البحرية، والصدمات في قطاع الطاقة، أو الردود العابرة للحدود التي قد تطال اليمن مباشرة، باتت الحاجة إلى رسائل استراتيجية واضحة من عدن في أعلى مستوياتها بالنسبة للشعب اليمني.

 

يكتسب التخطيط الحكومي أهمية بالغة، لأن هذا التصعيد سيؤثر على اليمن بصرف النظر عما إذا كان الحوثيون سيدخلون الصراع رسمياً أم لا، فحتى انخراط الجماعة المحدود قد يستدعي ردوداً تزيد من عسكرة البحر الأحمر وتضاعف الضغط على الأراضي اليمنية وأهلها، وفي سيناريو أشد خطورة، قد تجد اليمن نفسها متورطة في أتون هذه الحرب بعمق، إذا ما استهدف الحوثيون دول الخليج مباشرة.

 

خلال الأسابيع المقبلة، ستتضح الصورة أكثر: هل تكتفي الحكومة اليمنية بمراقبة الأحداث، أم تسعى بفاعلية نحو أهداف محددة، وتُهيئ نفسها للاستفادة من أي تحولات ميدانية محتملة، وتُظهر استعداداً لمواجهة مختلف سيناريوهات التصعيد؟ قد يشمل ذلك التخطيط لمعالجة أي فراغات في الحوكمة، والحفاظ على تقديم الخدمات، وترسيخ السلطة المؤسسية، إن تبدّلت موازين القوى.

 

تعاني الحكومة في الوقت الراهن من ضعفين هيكليين: أولهما الهشاشة المؤسسية، إذ تواصل إدارة الملف الأمني في عدن استنزاف الاهتمام السياسي وعرقلة أي تخطيط استشرافي؛ وثانيهما الاعتماد شبه الكلي على المملكة العربية السعودية. رغم أن الدعم السعودي يبقى ركيزة أساسية لبقاء الحكومة، فإن الإفراط في الاتكاء عليه يُقيّد قدرتها على التحرك المستقل والتأثير الاستباقي في مجريات الأحداث، وإن أعادت الرياض ترتيب أولوياتها استجابةً للحرب الإقليمية، فقد تجد الحكومة نفسها مُختزَلةً في أداة للسياسة الخارجية لا فاعلاً سيادياً مستقلاً.

 

الحكومة المشكّلة مطلع هذا العام أكثر تماسكاً داخلياً من سابقاتها، حيث كان الثقل الوزاري للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً كثيراً ما يعترض مسار السياسات. هذه الوحدة النسبية تُضيّق هامش الاعتراض الداخلي، وتسلب الحكومة في الوقت ذاته ذريعة الانقسام لتبرير التساهل، ومن ثمّ، فإن حكومة أكثر تجانساً ترفع سقف توقعات القواعد الداخلية والشركاء الخارجيين على حدٍّ سواء، وإن أفرز التصعيد الإقليمي فرصة — سواء عبر انشغال الحوثيين، أو تحوّل التوازنات الخليجية، ولا سيما مع تنامي التقارب السعودي العُماني حول الملف اليمني — فإن عبء المبادرة سيقع على الحكومة بصورة أكبر مما كان عليه في أي وقت مضى.

 

مطلع العام 2025، إبان الحملة الجوية الأمريكية على الحوثيين، دار جدل حول ما إذا كانت القوات الموالية للحكومة قادرة على استثمار الضغط العسكري لاستعادة مناطق حيوية، لاسيما تلك المحيطة بالحديدة، وقد مضى ذلك الوقت دون أي تحرك استراتيجي. يعود ذلك جزئياً إلى التباين الإقليمي حول استئناف الهجوم على المناطق الخاضعة للحوثيين، وبينما طرأ في المشهد الراهن تحول لافت تجلّى في حكومة أكثر تجانساً، مقابل تصدّعات إقليمية أعمق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تطوّرت ثقافة صنع القرار لدى الحكومة بالقدر ذاته؟

 

في المحصلة، يضع هذا التصعيد الإقليمي الحكومة اليمنية أمام تحدٍّ جوهري: أن تتجاوز إدارة الشأن الداخلي نحو انتزاع المصالح الوطنية بفاعلية، عبر انخراط دبلوماسي مستدام وسط تقلبات إقليمية استثنائية، غير أن منظومتها الدبلوماسية تعاني من شغور في مواقع محورية: فسفير اليمن لدى واشنطن قدّم استقالته في ديسمبر، وسفارته في الرياض تفتقر إلى سفير منذ مارس 2024. في غضون ذلك، يتخذ رئيس الوزراء شايع الزنداني، الذي يتولى حقيبة الخارجية أيضاً، من عدن مقراً له، ويرجّح أنه مثقل بأعباء الأولويات الداخلية الملحّة، رغم الحاجة الماسّة إلى انخراط دولي رفيع المستوى. تتضافر هذه الثغرات مجتمعةً في تهديد قدرة الحكومة على صياغة روايتها وتفعيل حضورها في الأروقة الدبلوماسية، لإيصال مواقف اليمن واحتياجاته ومخاوفه في خضم تصاعد حدة التوترات الإقليمية.

 

*الولايات المتحدة ستنتصر في الحرب وتُخفق في السلام، مرة أخرى| عبدالغني الإرياني*

 

يحتفي البعض بالمرحلة الافتتاحية من الحرب الأمريكية على إيران، التي أشعلت فتيلها إسرائيل، بوصفها ضربة عسكرية من طراز رفيع. قد يكون هذا صحيحاً وقد لا يكون، غير أن كل المغامرات العسكرية الأمريكية في الخارج على مدى العقود الماضية كانت باهرة تكتيكياً وكارثية استراتيجياً، والأرجح أن تكون الحرب على إيران تكراراً لمغامرة العراق، حين لم تُفضِ سنوات الاحتلال المتعاقبة إلا إلى ترسيخ النفوذ الإيراني في البلاد.

 

ثمة سيناريو محتمل على النحو التالي: تخرج إيران منهَكة ومُرغَمة على التنازل في ملفها النووي، لتتخلّي عن دعم حلفائها في محور المقاومة عبر المنطقة، فيما تتربّع إسرائيل على عرش الهيمنة الإقليمية دون منازع، ساعيةً إلى تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى الممتد من الفرات إلى النيل، وهو مشروع أفصح عنه مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون جهاراً.

 

لقد وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت الخطوة التالية على الطاولة، إذ أعلن أن تركيا باتت تشكّل تهديداً لإسرائيل، وحذّر من «محور سني جديد يضم تركيا والسعودية وقطر وباكستان». في غضون ذلك، ستخلص دول المنطقة، بعد أن شهدت قواعد القانون الدولي تُداس على مدى ثلاث سنوات على يد إسرائيل والولايات المتحدة وغالبية الديمقراطيات الغربية، إلى أن السبيل الوحيد لاستعادة الاستقرار هو العودة إلى لعبة توازن القوى السابقة، وبناء تحالف عريض في مواجهة محور إسرائيل والهند والإمارات بدعم أمريكي راسخ. حين ينقشع الغبار، ستجد الولايات المتحدة كثيراً من حلفائها الإقليميين قد خطوا خطوة بعيداً عنها وخطوة نحو الصين وروسي، ومن المرجح أن تنضم إيران إلى هذا التحالف بعد أن تتخلى عن وكلائها الإقليميين وتغدو أقل تهديداً لجيرانها.

 

قد تحمل نتائج هذه الحرب بشائر لليمن؛ فالنظام الإيراني سيخرج على الأرجح سليماً لكن أضعف بكثير، وأحد الشروط الثلاثة التي وضعتها الولايات المتحدة لإنهاء الصراع هو وقف الدعم الإيراني لوكلائها. بغياب هذا الدعم، سيُقبل الحوثيون أخيراً على طاولة التفاوض بمطالب أكثر واقعية مما كانوا عليه حين أصرّوا على أنهم الحكومة الشرعية لليمن، ورفضوا التفاوض مع الحكومة المعترف بها دولياً. عندئذٍ، قد تصبح مفاوضات سلام جادة تفضي إلى سلام متوازن ودائم ممكنة أخيراً.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس